ما الذي حدث قبل موتك، وكان عليك أن تخبرنا به؟
كيف كنت تشعر وانت تذرع شوارع صنعاء تطاردك كل تلك التهديدات؟
هل كنت تشعر بالخوف مثلنا؟
عادة نسارع إلى إعلان تعرضنا للتهديد، والبعض كان يروقه استثمار حتى رسالة عبر الفيسبوك.. لكنك لم تفعل، على الأقل حسب علمي لم تخبر كثيرين بما كنت تمر به.

هل فكرت بالتوقف لإلتقاط انفاسك على الأقل أيها العنيد؟
هددوك بكل الطرق، اتصلوا على هواتفك. فأبتعت رقما جديدا لمتابعة تحقيقك بواسطته بدلا عن ارقامك المراقبة.
هشموا زجاج سيارتك، ومُزقت إطاراتها، وتعرضت للتخريب مرارا وفي اكثر من مكان ليخيفوك.. فتخليت عنها مقابل التنقل بحرية..
لا اعتقد أن شخصا فعل كل هذا فكر للحظة بالتوقف..
حين التقيتك أول مرة في صحيفة الثورة، ربما في العام 2003، عند خطواتنا الأولى، كنت متعاقدا تعمل في القسم الثقافي، شاعرا مؤثثا بالحب والأدب. وانا موظف جديد، وضجر من ضيق المكان...
جمعنا شعورنا بالضيم، تشاكينا كموظفين صغيرين لديهما الكثير من المهام والاعمال، والأحلام، والقليل القليل من الإنصاف.
وكان لديك الكثير من المسؤوليات التي لم اعهدها بعد في ذلك السن.
يومها كنت غاضبا، وناقما.. لكنك كنت عازما على الاستمرار والنجاح رغم كل شيء.
لم يعنك يومها تلويحهم بخسارتك فرصة الحصول على وظيفة كاملة، ولا الاستقطاعات من راتب مجتزءٍ اصلا..
كان واضحا جدا بأنك لن تتوقف.
وكأن بينك وبين فكرة التوقف ثأر قديم..
بدلا من ذلك كنت تتحدث عن أسرتك واحلام افرادها، فردا فردا، كنت تتحدث عنهم كأجمل ما يكون، رغم انك بالكاد تجاوزت العشرين عاما. كان بمقدورك جعل تحمل مسؤولية واعباء الأسرة الكبيرة يبدو جميلا..
أخذتنا الأيام بعيدا، وجمعتنا من وقت إلى أخر ظروف مهنتنا.. وكل يوم يمر كان قلمك يكبر، وكان الصحفي محمد العبسي يبتلع الشاعر محمد العبسي حتى كدنا ننساه.
كل يوم كان الصحفي داخلك يزداد عنادا، وشغفا بالدفاع عن احلام الناس، واحلام وطن. عن فكرة الدولة. ترفض ملشنة حياتنا، وتسبق كثيرين في التحذير مما وصلنا إليه..
عدد الزيارات لمدونتك اليوم، تجاوزت المليون زيارة، لقد بدأنا التدوين معا، لكنك وحدك واصلت حتى اللحظة الأخيرة. فيما توقف معظمنا في العام 2015، وكأن حياتنا توقفت هناك.
فيما أصبحنا مجرد مفسبكين، استمرت مدونتك في نشر شغفك، كتاباتك في من الأدب والفن إلى السياسة، والتحقيقات الاستقصائية تطارد "امبراطوريات القمح" والمقتاتين على جوع الفقراء، وصناع بطالة "عمال الأجر اليومي"، ولصوص النفط ثم أرباب الإرهاب وتجار السلاح. وسماسرة الاقتصاد اليمني.
فشل حتى فيسبوك في سرقتك من شغفك كما فعل معنا. واصلت التدوين حتى اللحظة الاخيرة. جربت كل الطرق والوسائل لقول الحقيقة.
المدون والصحفي العنيد، بدأ ايضا ينتج الأفلام الوثائقية ويحول تحقيقاته إلى أعمال مرئية على صعوبة ذلك وتعقيداته، وينشيء مؤسسة "قرار" ويحلم بأن بكبح جماح فساد هوامير النفط والغاز..
ذات يوم في 2012، سألتك: "من أين تجد الوقت لكل هذا؟"
يومها لم تعجبني اجابتك، لكنها اليوم مثل قبس.. ما احوجنا يا صديقي إلى التوقف عن التذمر والبدء بمحاولة إحداث فرق. يا إلهي كم كنت تحاول، وكم كنت تكره التوقف؟
في نفس العام، اتذكر بأنك تخليت عن منصب كبير في حكومة ما بعد الثورة. لم تتمكن من احداث فرق، او لم يسمح لك بذلك، فغادرات المكان.
أفتقدك اليوم يا صديقي، واعجز في نفس الوقت عن توديعك وانت بكل هذا الحضور..
حاولوا تغيبك، فقرأت ديوان شعرك الذي لم أقرأه.. وتحقيقاتك التي لم أمر عليها من قبل. اعدت مشاهدة فلمك الوثائقي كاملا. وأزور مدونتك أكثر من أي وقت مضى..
لقد ادرك القتلة أنك لن تتوقف، وأن لا شيء سوى الموت سيزيحك عن طريقهم. ولعلهم اليوم يدركون كيف أن ثمت ما يمكنه تجاوز حتى الموت، أن الحقيقة لا تموت..
______
كلمة في اربعينية الشهيد العبسي.
كيف كنت تشعر وانت تذرع شوارع صنعاء تطاردك كل تلك التهديدات؟
هل كنت تشعر بالخوف مثلنا؟
عادة نسارع إلى إعلان تعرضنا للتهديد، والبعض كان يروقه استثمار حتى رسالة عبر الفيسبوك.. لكنك لم تفعل، على الأقل حسب علمي لم تخبر كثيرين بما كنت تمر به.

هل فكرت بالتوقف لإلتقاط انفاسك على الأقل أيها العنيد؟
هددوك بكل الطرق، اتصلوا على هواتفك. فأبتعت رقما جديدا لمتابعة تحقيقك بواسطته بدلا عن ارقامك المراقبة.
هشموا زجاج سيارتك، ومُزقت إطاراتها، وتعرضت للتخريب مرارا وفي اكثر من مكان ليخيفوك.. فتخليت عنها مقابل التنقل بحرية..
لا اعتقد أن شخصا فعل كل هذا فكر للحظة بالتوقف..
حين التقيتك أول مرة في صحيفة الثورة، ربما في العام 2003، عند خطواتنا الأولى، كنت متعاقدا تعمل في القسم الثقافي، شاعرا مؤثثا بالحب والأدب. وانا موظف جديد، وضجر من ضيق المكان...
جمعنا شعورنا بالضيم، تشاكينا كموظفين صغيرين لديهما الكثير من المهام والاعمال، والأحلام، والقليل القليل من الإنصاف.
وكان لديك الكثير من المسؤوليات التي لم اعهدها بعد في ذلك السن.
يومها كنت غاضبا، وناقما.. لكنك كنت عازما على الاستمرار والنجاح رغم كل شيء.
لم يعنك يومها تلويحهم بخسارتك فرصة الحصول على وظيفة كاملة، ولا الاستقطاعات من راتب مجتزءٍ اصلا..
كان واضحا جدا بأنك لن تتوقف.
وكأن بينك وبين فكرة التوقف ثأر قديم..
بدلا من ذلك كنت تتحدث عن أسرتك واحلام افرادها، فردا فردا، كنت تتحدث عنهم كأجمل ما يكون، رغم انك بالكاد تجاوزت العشرين عاما. كان بمقدورك جعل تحمل مسؤولية واعباء الأسرة الكبيرة يبدو جميلا..
أخذتنا الأيام بعيدا، وجمعتنا من وقت إلى أخر ظروف مهنتنا.. وكل يوم يمر كان قلمك يكبر، وكان الصحفي محمد العبسي يبتلع الشاعر محمد العبسي حتى كدنا ننساه.
كل يوم كان الصحفي داخلك يزداد عنادا، وشغفا بالدفاع عن احلام الناس، واحلام وطن. عن فكرة الدولة. ترفض ملشنة حياتنا، وتسبق كثيرين في التحذير مما وصلنا إليه..
عدد الزيارات لمدونتك اليوم، تجاوزت المليون زيارة، لقد بدأنا التدوين معا، لكنك وحدك واصلت حتى اللحظة الأخيرة. فيما توقف معظمنا في العام 2015، وكأن حياتنا توقفت هناك.
فيما أصبحنا مجرد مفسبكين، استمرت مدونتك في نشر شغفك، كتاباتك في من الأدب والفن إلى السياسة، والتحقيقات الاستقصائية تطارد "امبراطوريات القمح" والمقتاتين على جوع الفقراء، وصناع بطالة "عمال الأجر اليومي"، ولصوص النفط ثم أرباب الإرهاب وتجار السلاح. وسماسرة الاقتصاد اليمني.
فشل حتى فيسبوك في سرقتك من شغفك كما فعل معنا. واصلت التدوين حتى اللحظة الاخيرة. جربت كل الطرق والوسائل لقول الحقيقة.
المدون والصحفي العنيد، بدأ ايضا ينتج الأفلام الوثائقية ويحول تحقيقاته إلى أعمال مرئية على صعوبة ذلك وتعقيداته، وينشيء مؤسسة "قرار" ويحلم بأن بكبح جماح فساد هوامير النفط والغاز..
ذات يوم في 2012، سألتك: "من أين تجد الوقت لكل هذا؟"
يومها لم تعجبني اجابتك، لكنها اليوم مثل قبس.. ما احوجنا يا صديقي إلى التوقف عن التذمر والبدء بمحاولة إحداث فرق. يا إلهي كم كنت تحاول، وكم كنت تكره التوقف؟
في نفس العام، اتذكر بأنك تخليت عن منصب كبير في حكومة ما بعد الثورة. لم تتمكن من احداث فرق، او لم يسمح لك بذلك، فغادرات المكان.
أفتقدك اليوم يا صديقي، واعجز في نفس الوقت عن توديعك وانت بكل هذا الحضور..
حاولوا تغيبك، فقرأت ديوان شعرك الذي لم أقرأه.. وتحقيقاتك التي لم أمر عليها من قبل. اعدت مشاهدة فلمك الوثائقي كاملا. وأزور مدونتك أكثر من أي وقت مضى..
لقد ادرك القتلة أنك لن تتوقف، وأن لا شيء سوى الموت سيزيحك عن طريقهم. ولعلهم اليوم يدركون كيف أن ثمت ما يمكنه تجاوز حتى الموت، أن الحقيقة لا تموت..
______
كلمة في اربعينية الشهيد العبسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دون تعليقك