حديث ذكريات مع
الدكتورة رؤفة حسن أجريته في سبتمبر 2005 لجريدة "الخليج الإماراتية"
لا تملك
الدكتورة رؤفة لحظة ميلادها، لذا فإن تاريخها يبدأ في المدرسة الابتدائية حين قررت
مع مجموعة من زميلاتها التوجه إلى رئيس الحكومة اليمنية يومها عبدالله الكرشمي
لمطالبته بالكتب أسوة بالذكور من الطلاب أو نقلهن إلى مدرسة الأولاد.
قالت أنها كانت
غاضبة لأنه يتم توزيع الكتب للطلاب الذكور، وإبقاء الفتيات حتى نهاية العام، فقررت
التوجه مع غاضبات أخريات وصفتهن بأنهن أكثر وعيا منها إلى منزل رئيس الحكومة، وقد
أعددن العدة لذلك ذات جمعة، وحملن غداءهن لقطع المسافة من صنعاء القديمة إلى منزل
المسئول الموجود فيما يعرف اليوم بشارع العدل!.
ذات يوم، حين
كان الوسط الصحفي اليمني يغلي بحماس لانتخاب نقابته الجديدة، ولا يكترث لشيء آخر،
استطاعت سيدة لفت الانتباه، وأحتل حضورها أولوية الكتابات الصحفية والأحاديث
العامة المنشغلة بالانتخابات، فقد تمكنت من السيطرة على قاعة مكتظة بقرابة 900
فوضوي بعد فشل عديدين قبلها، وأدارت المؤتمر العام للنقابة بامتياز.
ولأن هذه السيدة
تبدو منشغلة حتى وهي تسير فقد أجريت الأحاديث الصحفية معها في الأروقة وفي
سيارتها، وفي أي مكان تتوقف فيه لدقائق، واكتفت موضوعات صحفية أخرى بالتعليق
معتمدة على المعلومات المتوفرة عنها، وهي معلومات كثيرة مثل أي معلومات تتعلق
بشخصية بحجمها.
رعب السؤال
كنا أربعة
صحفيين محشورين في المقعد الخلفي لسيارتها في طريق العودة من قاعة المؤتمرات التي
عقدت فيها أولى فعاليات مؤتمر عام النقابة، وكانت الساعة تقترب من التاسعة مساء
حين قرر أحدنا ارتكاب حماقة طرح سؤال عليها. كان أربعتنا مقتنعين أن إجراء حوار
معها يتطلب عمالقة وليس متحمسين انتهينا للتو من السخرية من أسئلتهم، خصوصا أن
لسانها اللاذع لا يتورع عن إخبارك بأن أسئلتك لم تكن موفقة.
في منتصف الطريق
طرح صاحبنا سؤاله: «كيف تقرئين ما يحدث في الساحة الصحفية اليمنية اليوم؟»، وعلى
الفور ردت: «أقرأه من اليمين إلى اليسار بالعربية، ومن اليسار إلى اليمين
بالإنجليزية».
ما حدث بعدها
كان كافيا ليعزز مخاوفي من محاولة الاقتراب من هذه المرأة التي ألفت كل محطات
توقفها أن يثار فيها الجدل، فهي مثقفة بالقدر الذي يتطلب مفكرا لمحاورتها، ومباشرة
بحيث لا يمكنها تجاهل الأخطاء دون التعليق عليها، ولاذعة مثل كل أهالي صنعاء
الأصليين.
يجب أن تكون
أسئلتكم محددة إذا كان الأمر يتعلق بالدكتورة رؤفة حسن، وإلا فإنها ستكون مستعدة
أن تبرحكم سخرية حتى الصباح، وهذا لا يلغي أنها بسيطة جدا، وودودة مثل اسمها،
وكبيرة مثل جبل نقم الذي تربت في أحضانه.
موعد محشور
معرفتي بكل هذا
لم يكن كافيا لحمايتي من دعاباتها اللاذعة حين استجمعت شجاعتي أخيرا لإجراء حديث
ذكريات معها، وقد اخترت هذا الموضوع لتجنب مواجهتها فكريا، واستجابة لفضول ملح
لمعرفة كيف أن فتاة صنعاء، وبنت القاضي، وسليلة واحدة من الأسرة الأكثر تشددا تجاه
التقاليد، أصبحت رؤفة حسن المذيعة، والإعلامية، والمفكرة المثيرة للجدل، وصاحبة
أكثر الأطروحات حماسة وتقدما في المجتمع اليمني.
وفي مؤسستها
«تخطيط برامج التنمية الثقافية» التي أصبحت مؤخرا «مؤسسة برامج التنمية الثقافية»
بدون مفردة «تخطيط» التي اكتشفت هي بأنها تجعل حفظ اسم المؤسسة عسيرا، كانت تعقد
اجتماعا لمناقشة إعدادات معرض أقامته في
أغسطس الفائت عن ذاكرتنا السياسية.
وكانت تحاول
جاهدة في الاجتماع كما تفعل دائما إدارة العمل بشكل مختلف عن أساليبنا العشوائية
والبيروقراطية، فهناك ثلاثة متخصصين في الديكور تريد أن تترك مساحة لإبداعهم
لتنفيذ فكرتها، لكنهم ظلوا يلحون في السؤال عن التفاصيل، وانتهت المعركة بانتصار
الطريقة التقليدية، فقد طرحوا إبداعهم جانبا وحصلوا منها على كل التفاصيل.
وقبل أن تكمل
اجتماعها الذي احتل موعدي أخبرتني أن أمامي عشر دقائق فقط في مكتب مستقل، وقد بدأت
هي: «ماذا تريد من قصة حياتي؟»، ثم ضاحكة: «ألا يبدوا غريبا أن تفكر بنشر حياتي
الشخصية؟».
وبسرعة عادت إلى
عام 1980 حين كانت ترأس قسم التحقيقات في صحيفة «الثورة» الرسمية لتكمل دعابتها.
جدل البداية!
تذكرت الدكتورة
رؤفة زميلها عبدالملك السندي الذي كان حاصلا على الماجستير في الصحافة من الاتحاد
السوفيتي، وكانت هي حاصلة على البكالوريوس من القاهرة، وشرحت: «يومها كنت رئيسته
ليس لشيء سوى لأن هناك توجه معارض ورافض للقادمين من المدارس الاشتراكية، وهذا كان
التقييم حتى في الجامعة».
واستطردت تتابع
ما تذكرته، وهو أن السندي كان يسخر دائما بأن كثيرين ممن يسألون عن سيرتهم الذاتية
يبدءون الحديث من ساعة الميلاد وكأن لهم يد فيها أو أنهم يملكون تلك اللحظة بطريقة
ما. وضحكت: «هل تريدني أن أبداء من تلك اللحظة؟، رغم أن سيرة حياة المرء تبدأ منذ
اللحظة التي يملكها؟؟؟.».
هكذا هي دائما،
لا يمكنها تمرير فكرة دون أن تنبش أعماقها وتبحث عن ثغراتها بسخرية تضفي على جو
اللقاء الأول بها شيئا يصرون على تسميته بأنه مرح، وبساطة. وبالنسبة لي كان الأمر
للوهلة الأولى محرجا، لكن القريبين منها يؤكدون أن هذه هي نكهتها الأشهى.
دعاباتها
الدائمة وتعليقاتها المشاغبة لا تلغي أنها مثابرة وجادة بشكل مفرط، فحتى وهي تطلق
نكاتها وسخريتها تكون جادة وعميقة، وهذا ما جعلها تبدو لي ذات يوم مخيفة. وقال لي
أحد من خاض تجربة العمل معها، وهو اليوم أحد كبار الصحافيين اليمنيين، وقيادي في
حزب معارض: «إذا أردت أن تشعر كم أنت كسول وسطحي عليك أن تعمل معها».
لا نملك لحظة الميلاد!
ولدت أمة الرؤف
حسين الشرقي، قبل أن يتغير أسمها، في أسرة محافظة، وأسرة علم، أما تاريخ ميلادها
المسجل في مصحف والدها القاضي حسين الشرقي فهي الساعة الثالثة والنصف مساء الرابع
عشر من ديسمبر عام1958، بينما كانت أم كلثوم تغني عبر المذياع: «ولد الهدى فالكائنات
ضياء».
وقالت: «هذا ما
وجدته مدونا، وكان أبي قاضيا، وأعجبه أن تولد ابنته في هذه اللحظة وفي ذكرى مولد
النبي»، وأضافت ضاحكة: «لكني لا أملك تلك اللحظة ولا علاقة لي بها».
والدها القاضي
حسين محمد الشرقي سليل أسرة علم من منطقة آنس جبل الشرق، وابن عامل الإمام في بلاد
"الأهنوم"، وهو في نفس الوقت زميل ابن أستاذ الإمام أحمد يحيى حميد
الدين الذي حكم اليمن بعد مقتل أبيه عام 1948م، وبموجب الإجازة التي حصل عليها
أحمد حميد الدين من القاضي محمد سعد الشرقي يكون استوفى أحد شروط تولي الإمامة حسب
مذهب الدولة يومها. كما حصل الإمام يحيى على إجازته العلمية من جدها الثاني.
وقالت: «كانوا فقهاء متخصصين في المذهب الزيدي ولهم كتب فقهية مخطوطة ومحفوظة في
مكتبة الجامع الكبير في صنعاء، وكانوا أيضا متشددين ومحافظين».
أما الشخصية
الأكثر تأثيرا في حياتها فجدها لأمها، والذي كان عالما وفقيها أيضا، وهو القاضي
لطف إسماعيل القرماني الحاشدي..، وكان من متبني الأفكار الحديثة، ومناصرا لأفكار
الثوار، أو "الدستوريين" كما أطلق عليهم بعد ثورة 1948، لإعلانهم عن
دستور للدولة الملكية التي أرادوا إقامتها وتنصيبهم عبدالله الوزير ملكا دستوريا قبل
أن يفشلوا ويستعيد الإمام أحمد ملك أبيه القتيل يحيى. وقالت: «كان يجيد اللغة
الفرنسية، وكان مثقفا ومحبا للموسيقى التي كانت بالنسبة لوالدي شيئا غير مرحب به»
وبين المتناقضين
(أبيها وجدها) عاشت رؤفة تبحث عن طريقها الخاص، وهو مخاض عسير، وإن كانت تعتبره
اليوم نعمة حظيت بها دون غيرها، وعرجت على امر له علاقة بالفرق بين والدها وجدها:
«قبل قيام الثورة عام 1962 طاردتنا لعنة الدستوريين من قبل النظام الإمامي بسبب
تعاطف أسرة والدتي مع الثوار، ونهب البيت الذي ولدت فيه أمي مع بيوت مناصري الثوار
بعد فشل ثورة 1948، وبعد قيام الثورة طاردت أسرتي لعنة الإماميين بسبب علاقة أسرة
والدي بالإمام ونهبت ممتلكاتنا واستولى البعض باسم الدولة بعد قيام الجمهورية على
منزلنا في صنعاء، كنا دائما منكوبين».
أما اليوم فتنظر
إلى الأمر بشكل مختلف، فوجودها في أسرة بفكرين مستقلين، بل ومتناقضين جعلها تنهل من
الطرفين، مكتبة أبيها، ومكتبة جدها لأمها، ما ساعدها على إيجاد طريقها الخاص،
وقالت: «هذه الأسرة أدخلت إلى بيتي مدرستين مختلفتين، والكتب التي أخذتها من
المصدرين كانت تسمح لي بإيجاد مدرستي الثالثة وفكري أنا، لأني لم أكن أعرف ما هو
الصحيح فكان عليا أن أبحث عنه، وكان ذلك من أفضل الأشياء التي حدثت في تاريخ أي
إنسان وقد حدثت في تاريخي، وهذا ما اعتز به وما استطيع أن أقوله عن هذه الأسرة».
ولست متمردة!
وتقول الدكتورة
رؤفة عن أبيها: «رغم أنه كان قاضيا، ومحافظا، إلا أنه كان أكثر اعتدالا ويقبل
النقاش، لم يكن متصلبا»، وربما وجود هذا التناقض والاختلاف الفكري في الأسرة
الواحدة ساعد في إيجاد بيئة خصبة للجدل، وقالت: «كانت كل نقاط الخلاف تخضع للنقاش،
والمحاججة». وهناك لكل طرف حجته، ولديها حجج الطرفين تستخدم إيهما أقنعتها أكثر.
لهذا ترفض
الدكتورة رؤفة حسن تهمة أنها متمردة على التقاليد، وتصر بأنها محافظة، من أسرة
محافظة، وقالت: «لست متمردة، بالعكس، فالبعض يعتبرني شديدة التمسك بالأفكار التي
أؤمن بها، لكني أنتقي ما أحافظ عليه وما لا أحافظ عليه، فأنا لا أحافظ على التخلف
والأفكار السلبية، وفي المقابل متمسكة بشدة بالأفكار السليمة».
وتسرد واحدة من
القصص التي طبعت في ذهنا من أبيها وتعلمت منها كيف تختار مواقفها، وهي قصة لا
يمكنها نسيانها كما قالت، فقد كانت مؤثرة، وذلك
حين تقدم أحدهم لخطبة شقيقتها. يومها رفض والدها طلب مهر، وأخبر المتقدم
أنه لا يريد من الشخص الذي اقتنع به أي شيء، وقالت: «قال له أنا أشتري رجل ولا
أريد منك شيء إذا أردت أن تدفع ريالا مهرا فأفعل أما أنا فلا أريد منك شيئا».
وتذكر أن العريس
غضب من موقف والدها متمسكا بتقاليد مجتمع، وقال: «ماذا سيقول الناس عنها»، وقالت
الدكتورة رؤفة: «يومها رد عليه أبي: الناس يقلدونا، ولسنا من يقلد الناس، فإذا لم
نمثل قدوة جيدة للناس فما الفرق بيننا وبين العامة».
وقالت: «كان
والدي من العلماء وكبار الناس، وهو كذلك بالمعرفة، والمعرفة تعني ألا نحافظ على ما
هو متخلف، وأنا نشأت في هذا البيت الذي يناقش ويجادل في صحة سلوكيات الناس، فإذا
كانت خاطئة نرفضها، ونأخذ بالصحيح».
رؤفة في مدرسة
الأولاد!!
لا تملك
الدكتورة رؤفة لحظة ميلادها، لذا فإن تاريخها يبدأ في المدرسة الابتدائية حين قررت
مع مجموعة من زميلاتها التوجه إلى رئيس الحكومة اليمنية يومها عبدالله الكرشمي
لمطالبته بالكتب أسوة بالذكور من الطلاب أو نقلهن إلى مدرسة الأولاد.
قالت أنها كانت
غاضبة لأنه يتم توزيع الكتب للطلاب الذكور، وإبقاء الفتيات حتى نهاية العام، فقررت
التوجه مع غاضبات أخريات وصفتهن بأنهن أكثر وعيا منها إلى منزل رئيس الحكومة، وقد
أعددن العدة لذلك ذات جمعة، وحملن غداءهن لقطع المسافة من صنعاء القديمة إلى منزل
المسئول الموجود فيما يعرف اليوم بشارع العدل.
موقع المنزل
الذي قصدنه يبدو اليوم ملاصقا لصنعاء القديمة، لكن لأن صنعاء كانت صغيرة يومها،
والمسافة كانت خالية، ولا توجد وسائل موصلات، فإن الطريق بدت طويلة، وقالت ضاحكة:
«كنا نضن بأنا سنقطع الفيافي والقفار، لكنك حين تنظر إلى المسافة اليوم بعد تزاحم
المباني والشوراع وتوفر المواصلات تجدها قريبة جدا».
حصلت رؤفة مع
زميلاتها على قرار بنقلهن إلى مدرسة سيف بن ذي يزن الخاصة بالذكور، ووجد الكرشمي
يومها أن منحنهن الكتب ليس كافيا مقابل حماسهن، قالت: «لن أنسى تلك اللحظة، كانت
المرة الأولى التي التقي فيها بشخصية كبيرة، وكانت هذه الشخصية تنظر إلينا بعجب
وإعجاب».
وتقود مظاهرة!
في مدرسة سيف
كانت رؤفة مع زميلاتها علامة واضحة في مدرسة للذكور، وكان أكثر أنشطتها حضورا
تمكنها من الإذاعة المدرسية، وقد حظين كما تقول باحترام الجميع، وتعاون القائمين
على المدرسة.
ولأنها كانت
المنقبة الوحيدة في المدرسة فقط خصصت لها غرفة تستخدمها عندما تريد تناول وجبتها
مثلا أو أي شي، وقالت: كان ذلك امتيازا أن يكون مفتاح أحد حجر المدرسة بحوزتي، وقد
منحها ذلك الامتياز مدير المدرسة محمد الكميم الذي تصفه بأنه كان من أفضل
التربويين، وأضافت: «كان متفهما لوجود فتيات في مدرسته، وجعل المدرسة مكانا مرحبا
بهن».
وتسجل الدكتورة
رؤفة في مدرسة سيف اللحظة التالية التي تملكها، فذات يوم فوجئ الطلاب بقرار عزل
مدير المدرسة محمد الكميم من منصبه، وقالت: «كان الطلاب يريدون تنظيم مظاهرة
احتجاج على القرار، وكانت لهم مبررات سياسية وأنا يومها دون أي اهتمامات سياسية»،
رغم هذا توجهوا إليها للاستفادة من حضورها لإخراج الطلاب من الصفوف، فهي رئيسة
اللجنة الثقافية في المدرسة ومذيعة المدرسة وصاحبة الصوت المسموع.
وتتابع: «استثاروا
حماستي للدخول إلى الفصول وقد نجحوا في مسعاهم لأن المدرسة خرجت عن بكرة أبيها،
وكل ما فعلته أني كنت أدخل الفصل وأقول: إذا أنتم رجال خرجتوا!»، وقد ذكرها بهذه
العبارة أحمد صوفان الذي يشغل اليوم منصب نائب رئيس الحكومة وزير التخطيط، وقالت:
«كان يومها طالبا في المدرسة وفي حديث ذكريات معه ذكرني بما قلت وقال: رغم أنه لم
يكن في الصف ولا حتى مشروع رجل، فجميعنا أطفال ما زلنا في الإعدادية، إلا أن
الجميع خرجوا».
بعدها تولت رؤفة
قيادة المظاهرة إلى منزل وزير التربية والتعليم يومها أحمد جابر عفيف، وقالت:
«وصلنا هناك ولم ندري ما نفعل، لم يكن لدينا خطة معينة فقمنا برجم منزل الوزير
بالحجارة».
أول راتب خمسة
ريالات!! واسم جديد!
لم تخطط
الدكتورة رؤفة أن تكون إعلامية، ويبدوا أن أحدا لم يخطط ما الذي سيكون عليه في
المستقبل بشكل دقيق، غير أن البعض يضعون أقدامهم في مواطئها المحببة بين كل تلك
المواطئ التي تسوقها إلينا الحياة، والبعض يجتهد لأن يجد موطئ قدمه الأجمل.
كانت الدكتورة
رؤفة ما تزال طالبة في الصف السادس الابتدائي في مدرسة بلقيس المجاورة لمبنى
الإذاعة حين وضعت قدمها «صدفة» كما تقول في بداية طريقها الجديد، وذلك بعد مشاركتها
في مسابقة كان ينظمها في مدارس الأطفال المذيعين «بابا محمد موسى، وبابا
عبدرالرحمن مطهر» المتخصصين في برامج الأطفال، وكانت المسابقة عن أفضل إلقاء.
وتقول ضاحكة:
«بعد أن ألقيت قصيدة شعرية، وعدني بابا عبدالرحمن مطهر أنه إذا أتيت إليه في
الإذاعة كل خميس لأسجل في برنامج للأطفال سيعطيني خمسة ريالات»، وبدأت الحكاية
هكذا، كانت كل خميس تذهب إلى الإذاعة وتحصل على خمسة ريالات حتى اعتادت الميكرفون.
وقد حصلت على
وظيفة رسمية في الإذاعة في وقت مبكر حين اكتشف مسئوليها أنها تملك صوتا إذاعيا،
لكن هذه الوظيفة اضطرتها لتغيير اسمها من أمة الرؤف حسين الشرقي إلى رؤفة حسن،
وذلك لكي لا يعلم أحد في أسرتها أنها أصبحت مذيعة، وحين اكتشفوا الأمر لاذت بجدها
لأمها، الذي مثل نصيرها الدائم، وقدوتها الأولى.
وقالت: «كان
لجدي كلمته المسموعة ككبير الأسرة، وقد وقف معي حين عارضوا عملي في الإذاعة، وبعدها
في التلفزيون»، وتصف معارضة أسرتها بأنها لم تكن قاسية، بل ردت فعل وفورة
انفعالية، ومع إصرارها، ومساندة جدها اعتادوا الأمر، خصوصا أنها لم تكن المذيعة
الأولى.
انتقالها من
الإذاعة إلى التلفزيون كانت تلقائية مع عدد من كادر الإذاعة بعد بدء البث
التلفزيوني في اليمن، وكانت تدرس للحصول على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة،
وكانت معها في تلك الفترة أمة العليم السوسوة التي تشغل اليوم منصب وزيرة حقوق
الإنسان.
الإمارات في
أمريكا
عام 1981، وبعد
فترة من العمل في حقل الإعلام، في التلفزيون، وفي صحيفة الثورة الرسمية، حصلت
الدكتورة رؤفة على منحة لدراسة الماجستير في أمريكا، وقد ساعدها في ذلك وكيل وزارة
الإعلام يومها عبدالرحمن الأكوع الذي يشغل اليوم منصب وزير الشباب والرياضة،
وقبلها وزيرا للإعلام. وكانت المنحة عبر البنك الدولي.
تجربتها الجديدة
بدأت بعد عام من الدراسة للغة الإنجليزية في أمريكا، حين فوجئت بقرار إيقاف منحتها، وأيضا راتبها في
صنعاء، وذلك بقرار من وزير الإعلام يومها حسن اللوزي الذي غضب لعدم معرفته
بالمنحة، وقالت: «وجدت نفسي في موقف صعب، فأنا في أمريكا، وبدون مال وليس لدي
عمل».
كثيرين كانوا
سيفكرون بالعودة في مثل هذا الموقف، لكنها بحثت عن أفكار أخرى، فتوجهت إلى سفير
صنعاء في واشنطن محمد الإرياني، الذي طرح الأمر على سفير دولة الإمارات الدكتور
أحمد المقرب معتمدا على علاقة صداقة قوية تربطهما، وقد أخبر المقرب بأنه لا يملك
السلطة لمنحها منحة دراسية، لكنه قادر على تدبر عمل لها.
وقالت: «عملت
مساعدة للمستشار الإعلامي في سفارة الإمارات الدكتور أدمون غريب وهو أستاذ في
الإعلام والإعلام السياسي وأحد أعلام الإعلام العربي، وحصلت على راتب جيد مكنني
حتى من إحضار أشقائي من صنعاء للدراسة في أمريكا».
وتشعر اليوم
بالامتنان لقرار الوزير حسن اللوزي وقف منحتها، وقالت: «لقد علمني قوتي ومنحني
الحرية، فقد تعلمت أنه ليس بمقدور أحد استعبادي بلقمة عيشي وأني استطيع العيش في
أي مكان في العالم، وقبل قراره كنت أعتقد أن المرء لا يستطيع أن يعيش بدون راتب
حكومتنا».
وتصف تجربتها في
السفارة الإماراتية بأنها واحدة من أفضل تجارب حياتها، وقالت: «عملي مع الدكتور
أدمون غريب وهو واحد من أبرز اساتذة الإعلام، وهو مجال دراستي كانت مثل هبة من
السماء»، ولم تنسى تعاون الدكتور أحمد المقرب وكل فريق السفارة، واهتمام الملحق
العسكري احمد الهاملي بالنشاط الإعلام، والأستاذ حسين غباش الذي تعرفت من خلاله
على شقيقته الدكتورة موزة غباش لتربطهما فيما بعد علاقة عمل متميزة حين رأست
الدكتورة رؤفة في صنعاء مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية.
وقالت: «تعرفت
على الإمارات من جانب لم يخطر على بالي، وكان كل ما يدور في الإمارات وما يكتب
عنها مجال عملي وتركيزي على مدى عامين»، وتابعت عن كثب مشروع الشيخ زايد لبناء
دولة الإمارات العربية المتحدة، وأضافت: «أصبحت الإمارات بلدي الثاني دون أن أعيش
فيها، وحين غادرت أقيمت لي حفلة وداع كبيرة ومؤثرة جعلتني أشعر بأني أغادر بلدي».
الجندر
عادت رؤفة إلى
صنعاء لتعمل نائبة لرئيس المكتب الفني في وزارة الإعلام والثقافة، ومثل قليلين،
كانت تحمل في جعبتها رزمة من المشاريع
الجديدة، وكان أولها إعادة ترتيب أوضاع الكادر الفني والإداري في وزارة الإعلام
المؤسسات التابعة لها من خلال عملها كنائبة لرئيس المكتب الفني بالوزارة.
لكن الجو
الإداري المبني على الغيرة والتكاسل لم يكن مساعدا على إنجاز شيء، فبحثت عن منحة
دراسية الى فرنسا وتوجهت لدرسة الدكتوراة.
وعندما عادت
التحقت مباشرة بجامعة صنعاء وودعت الوظيفة الحكومية وفي الجامعة قامت بإنشاء قسم
الإعلام الذي كان قد تعثر طويلا، وساعدتها ظروف الوحدة الجديدة التي أعلنت
الديموقراطية والتعددية السياسية طريقا لأن تكون الحاجة الى كادر إعلامي مؤهل
واضحة فتمكنت من إنشاء القسم في مخاض صعب وبظروف شديدة التعقيد.
وبعد ثلاث سنوات
كلفها الدكتور عبد العزيز المقالح بإنشاء وحدة للدراسات الاجتماعية ودراسات المرأة
الذي كان مشروعا هو الآخر غير سهل التنفيذ. وفي عام 1996 تطور هذا المشروع ليصبح
مركزا البحوث التطبيقية والدراسات النسوية في جامعة صنعاء بتمويل من الحكومة الهولندية،
ضمن اتفاقيات التعاون بين الدولتين.
وتسجل رؤفة في
هذا المكان واحدة من أهم محطاتها، أو ربما أكثر محطات حياتها سخونة، كان المركز
يعد الأول من نوعه في الوطن العربي وأول مركز بحثي يمنح شهادات علمية، لكنه
"أستخدم ككبش فداء في أزمة سياسية واجهها حزب التجمع اليمني للإصلاح
(الإسلامي) مع قواعده" كما ترى، وهي وجهة نظر تطرح للمرة الأولى.
حدث ذلك أثناء
الانتخابات الرئاسية الأولى في اليمن، وقد أعلن حزب الإصلاح (الإسلامي) المعارض أن
مرشحه للرئاسة هو الرئيس علي عبدالله صالح رئيس حزب السلطة "المؤتمر"،
وكان قرار الإصلاح هذا غير مرضي لقواعده
وتسمي الدكتورة
رؤفة ما حدث بأنه "حملة ظالمة"، فقد اتهمت بالإساءة الى الإسلام في
مؤتمر عقدته في تلك الفترة، وقالت: "هذا غير صحيح، لقد تم تحريف الكلام الذي
طرح في مؤتمرنا، وأراد حزب الإصلاح أن يشغل قواعده عن قراره ترشيح الرئيس صالح بقضية
أخرى واستخدموا تعريف الأمم المتحدة للجندر وليس ما قلناه نحن"، واضافت:
"للأسف دفعنا ثمن قضية سياسية بين الإصلاح والمؤتمر".
مصطلح الجندر
أطلقته الأمم المتحدة في وقت سابق لتعريف الأسرة وطرح قبلها في مؤتمر بكين، وقد
لقي تعريف الأمم المتحدة لهذا المصطلح تحفظا من كثير من الدول بينها إسرائيل
والفاتيكان، وتعرف الأمم المتحدة الجندر، أو العائلة بأنها مجموعة من الأشخاص
يعيشون مع بعضهم برباط بغض النظر عن جنس هؤلاء الأشخاص أو نوع الرباط.
وقالت الدكتورة
رؤفة: "الأمم المتحدة أرادت في ذلك المؤتمر أن يعترف بالعائلة أي كان شكلها،
وهناك تحفظ على هذا التعريف من قبل كثيرين لكنه قرار سياسي، ونحن في اليمن نتحفظ
في هذا الشأن فالعائلة هي رجل وامرأة متزوجين برباط شرعي ولديهم أبناء".
وعن ما طرحه
مركزها في المؤتمر قالت: "كل ما يعنينا من الجندر هو الفروق الثقافية التي
يخلقها المجتمع بين الرجل والمرأة، ولا علاقة لها بالفروق البيلوجية بين الرجل
والمرأة التي نؤمن بها. وقلنا أن بعض الفروق الثقافية التي أوجدها المجتمع بين
الجنسين بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، مثلا لا يمكن تحريم تنظيف المنزل على الرجال
لأنهم رجال، لأن هذا لا علاقة له بالرجولة أو الأنوثة، أو مثلا أنه لا يجوز أن
يطبخ الرجل، على العكس فأمهر الطباخين في العالم هم رجال".
تهديدات زائفة
وتصف الدكتورة
رؤوفة إثارة الإسلاميين لهذه المشكلة من أجل إشغال قواعدهم بأنه كان عملا ذكيا من
الناحية السياسية، لكن نتائجها على اليمن "خطيرة جدا لأنها انتهت إلى إقفال
المركز الذي لا علاقة له باللعبة السياسية، وإقفاله جعل 150 طالب وطالبة كانوا
يحضرون للماجستير يخسرون هذه المنح".
كان المركز على
وشك أن يتحول إلى مركز إقليمي، وكان الوحيد الذي يمنح شهادات عليا، وتضيف رؤوفة
إلى أسباب إغلاقه عوامل أخرى بالإضافة إلى الحملة السياسية. فقد استغل بعض
المسئولين في المركز نفسه هذه الحملة على أمل أن يحصلوا على موارده، وقالت:
"كان مركزا حكوميا يتبع جامعة صنعاء ويمول عبر وزارة التخطيط والتنمية من
الحكومة الهولندية".
إنها تصفية
حسابات، وهو "أمر طبيعي في الدول النامية وينتج عن عوامل التخلف"،
وقالت: "أحيانا في دولنا يكون الناس أعداء أنفسهم"، لكنها تنفي أن تكون
تلقت تهديدات بالقتل كما أشيع يومها، ولم يكن سفرها بسبب أية تهديدات.
وتشرح، حين
أسسته لم أكن انوي إدارته، لكن رئيس الجامعة يومها الدكتور عبدالعزيز المقالح أصر
أن أتولى إدارته حتى يحين موعد سفري للتفرغ البحثي للترقية العلمية بعد الدكتوراه
بموجب منحة من الحكومة اليمنية والحكومة الهولندية. وكنتيجة لإصراره تم وضع شرط في اتفاق التمويل مع الهولنديين أن أتولى
إدارة المركز لمدة أربع سنوات، وبعدها أحصل على منحة لمدة ستة أشهر للدراسة للتفرغ
العلمي على نفقة هولندا وستة أشهر على نفقة الحكومة، وقالت: "حتى أني أعلنت
سفري في المؤتمر نفسه وودعت الناس".
بعد سفرها تلقت
تهديدات، أو علمت أنها كانت مستهدفة، وقالت: "لم أتلقى أي تهديدات إلا بعد أن
سافرت فعليا، أو بالأحرى حين عرفت أن اسمي في قائمة الموت التي وجدت مع قاتل
الأمين العام المساعد للحزب الإشتراكي جارالله عمر".
امرأة حافلة
بعد انتهاء فترة
تفرغها البحثي لما بعد الدكتوراه عام 2001م بقيت رؤفة هناك عاما آخر تعمل خصوصا أن
مركزها في صنعاء كان قد أغلق بعد سفرها وأثناء إدارته من قبل الدكتورة خديجة
الهيصمي أحد أساتذة السياسية في جامعة صنعاء والدكتورة نورية حمد التي تلتها.
وعملت الدكتورة
رؤوفة حسن مع عدد من المنظمات الدولية والإقليمية في فرنسا وهولندا، وفي تونس مع
مركز المرأة العربية للدراسات والتدريب، ثم انتقلت إلى لبنان وعملت مع مؤسسة الحريري
وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية لمدة ستة أشهر، ثم تفرغت للكتابة في مصر وعملت بصفة
مستشارة لعدد من منظمات الأمم المتحدة كمصدر للدخل.
بعد عودتها إلى
اليمن عام 1991م بعد ان انهت الدكتوراة في فرنسا أسست قسم الإعلام في كلية الآداب
في جامعة صنعاء، والذي مثل بقية محطاتها كان مثارا للجدل قبل أن يتحول إلى كلية
لكنها تفتقر إلى كثير من المقومات العلمية والمهنية التي كانت توجد في قسم
الإعلام.
وأسست عدد من
المراكز والمؤسسات العلمية أولها كانت وحدة الدراسات والبحوث التطبيقية والدراسات
النسوية، ثم مركز الدراسات النسوية، ثم مؤسسة تنمية البرامج الثقافية، وخاضت تجربة
الانتخابات البرلمانية عن دائرتها في صنعاء عام 1993، لكن العلاقة الحميمية بين
أهالي صنعاء القديمة والعلماء جعلتها تخسر، لأن منافسها كان عالما من علماء
المدينة و"ممثلا للحزب الحاكم ومالكا لسلطة الدين والدولة" كما قالت.
ومن محطاتها
المثيرة للجدل أثناء رئاسة مؤسسة برامج التنمية الثقافية إطلاقها حملة تستهدف
توعية الفتيات بين سن الحادية عشر والسابعة عشر بالقواعد الصحية السليمة والتغيرات
التي تطرأ على الفتاة في هذا السن، ورغم ما أثارته هذه الحملة من صخب، وما لقيته
من معارضة إلا أنها نجحت في الوصول إلى قرابة 70 الف طالبة في المدارس.
حاليا ترأس
مؤسسة برامج التنمية الثقافية، وتغوص من أخمص قدميها حتى أذنيها في قضية مثيرة
جديدة تدرس أزياء الزعماء السياسيين في اليمن وعلاقتها بالتاريخ السياسي اليمني،
وكشفت مؤخرا أنها تسعى لتأسيس أول متحف سياسي في اليمن، ومن المقرر أن تقيم معرضها
عن دلالات الهوية السياسية اليمنية في باريس في وقت لاحق من هذا العام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دون تعليقك