صعدة– محمد الظاهري:
فبراير 2007
فشلت الوساطة القبلية في صعده، رغم أنها طالما كانت الخيار الوحيد والأمثل لحل أعقد النزاعات في واحدة من المناطق الخاضعة لسلطة القبيلة وغير المكترثة بسلطة القانون والخيارات المدنية.
في الأزمة العالقة منذ ثلاث سنوات بين من اصطلح على تسميتهم بالحوثيين من جهة، والقوات الحكومية من جهة بدا أن السلاح وبشكل متطرف هو الخيار الوحيد. على الأقل بالنسبة للدولة التي طالما جنحت للسلم حتى مع مجرمين.
في هذه المرة لم تفكر الحكومة بمبدأ "الحوار" الذي طالما استخدمته إلا بعد وقت متأخر من بدء الحرب، وكأن الاستفزاز الذي تعرضت له مع دخول العام 2004 كان أقوى وبشكل غامض من أن يسمح بتذكر لغة الحوار.
ويقال أن مسئولين عسكريين، ومسئولين عسكريين في مناصب مدنية اقترحوا خيار السلاح بإلحاح وتمكنوا من دعم وجهة نظرهم بشأن وجود جهات خارجية، غير أن العملية التي كان من المقرر أن تنتهي خلال أسبوعين ستحتفل بعامها الرابع في يونيو المقبل.
عبدالملك الحوثي الذي يقود الحوثيين منذ مقتل أخيه نهاية المرحلة الأولى من الحرب في سبتمبر 2004 يرى أن "توجها عدائيا" ينموا لدى السلطة منذ مدة طويلة تجاه شريحة واسعة في اليمن، وهم طبقة (السادة) او الهاشميين المنتسبين إلى آل الرسول، وهي الطبقة الحاكمة في اليمن قبل قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962. والسلطة من جهتها لم تتورع عن اتهام الحوثيين بالتخطيط لقلب النظام وإعادة اليمن إلى ما قبل 1962.
غير أن الذريعتين استعصت على الهضم عند كثيرين، فلا أحد يريد تصديق أن مجموعة صغيرة تريد قلب النظام من صعده. وأصعب من ذلك تصديق وجود نوايا عدائية ضد طائفة أو مذهب، خصوصا أن الرئيس صالح طالما حسب على المذهب الزيدي أكثر من غيره.
وقد ألقى الرئيس صالح أكثر خطاباته حدة وانفعالا مطلع الأسبوع الثاني من الحرب في يونيو 2004، وبدا واضحا شعوره بالخيبة. كان الأمر مزدوجا، فالأعداء كانوا حلفاءه إلى وقت قريب وحصلوا على دعمه، وخيار الحرب الذي وافق عليه فشل. لأسباب جغرافية أكثر منها استراتيجية.
يوم الأحد 28 يناير الفائت بدأت رابع مرحلة من المواجهة الدامية بين الجانبين، ورغم بذل الكثير من الجهود للحيلولة دون تجاوز عمرها يوما واحدا إلا أن الأمر فشل.
ويبدو أن قائمة الضحايا ستضم عشرات الأسماء الجديدة في واحدة من أكثر الأزمات غموضا.
حتى يوم الأحد الفائتة سقط 52 قتيلا وأكثر من100 جريح معظمهم في صفوف القوات الحكومية، وبشكل رسمي أعلن أن نصيب الجيش 42 قتيلا و81 جريحا، وتشير بعض المصادر العسكرية والمحلية عن وجود حشد لحرب طويلة وقوية من قبل الطرفين.
الجديد هذه المرة أن كلا الطرفين ينفي تسببه في إشعال الحرب، واتهامات عن وجود طرف ثالث يسعى بإصرار لإشعالها، واستبدلت المبررات الواهية بحديث أكثر غموضا عن صراع لتصفية حسابات إقليمية ومذهبية وسياسية ميدانه محافظة صعده.
في صنعاء لا شيء سوى مزيد من التهم السياسية، أحزاب المعارضة تتهم السلطة بالتستر على الكثير من الحقائق لإخفاء جريمة في صعده، والسلطة تتهم المعارضة بمحاولة النيل منها ولو على حساب أمن اليمن ووحدته. لم يتعدى الأمر حتى الآن الأحاديث الصحفية.
صعده من الداخل
مرت أيام صعده الأفضل قبل 1990، حين كانت الحدود مفتوحة على مصراعيها للساعين وراء أموال الغربة والعودة لبناء مشروع أو شراء مزرعة أو بدء تجارة.
وبعد 15 عاما من الركود والعزلة والتجاهل جاءت أحداث (حرب الحوثي) لتقضي على البقية الباقية من محاولتها البقاء على قيد الحياة. بسبب الحرب تتنامى حالة من الرعب والكراهية، وأصبحت الحركة هناك شبه موات.
حظ صعده، المحافظة البعيدة في أقصى الشمال، دائما سيء بالنسبة لمسئوليها الحكوميين، فهم إما كسالى يمعنون في توسيع القطيعة بينها وبين حاجاتها لمزيد من التنمية، أو يتورطون في صراع على السلطة مع زعماء القبائل.
المحافظ الحالي يحيى الشامي خاض تجربة سابقة في المحافظة في الثمانينيات، ولم يكن أفضل حالا من غيره، فقد علق في صراع مع سلطة القبيلة التي كانت يومها في ذروتها. وخرج كالعادة غير مأسوف عليه. بعد قائمة من الشكاوى والدسائس.
تعيينه مجددا في صعده نهاية الحرب الثالثة بين الجيش وأتباع الحوثي كان محسوبا بدقة، فالرجل من جهة يحمل رتبة عسكرية رفيعة، ومن جهة أخرى ينتمي إلى فئة "الهاشميين" التي ينتمي إليها أيضا "الحوثيين".
أوجه الشبه أن تعيين الشامي في المرتين كان لنفس السبب، وهو خلق نوع من التوازن في محافظة صعده مطلقة الولاء للسادة وسلطة القبيلة، والمتهمة بالولاء لنظام الإمام قبل الثورة، حتى أنها آخر المحافظات الشمالية التي قبلت بالنظام الجمهوري، وإن لم يكن ذلك في حقيقة الأمر لأسباب سياسية بقدر ما كان تورطا خلف "تجار حروب".
هذه المرة يبلي الشامي بشكل جيد، فقد نجح في إخماد الحرب الثالثة وإعلان نهاية الأزمة، وتمكن من تسريع عملية صرف التعويضات للمتضررين، والإفراج عن المعتقلين على ذمة القضية وإعادة من فقدوا أعمالهم وصرف رواتبهم المتأخرة. وكلها قرارات تم إعاقة تنفيذها خلال عامين.
ويبدي الرجل جدية واضحة للنجاح في مهمته الأساسية في صعده، وهو إقفال ملف أزمة الحوثي، غير أن طريقه ليست معبدة رغم ضعف سلطة القبيلة التي أعاقته في المرة السابقة، فقد قدم الرجل استقالته مرتين منذ تعيينه منتصف العام الفائت، كلها احتجاجا على محاولات مسئولين نافذين وعسكريين وأمنيين لإعاقة مساعيه إنهاء الفتنة، كما يتردد.
وقد تحدث مؤخرا إلى "الخليج" بشأن عودة المواجهات العسكرية، وبوضوح عن تناقص الخيارات أمامه مع استمرار ارتكاب الخروقات وإعاقة تنفيذ العفو الرئاسي، واحتمالات التدخلات الخارجية وتحول محافظته إلى ميدان لتصفية الحسابات.
يشعر المحافظ الشامي بخيبة أمل بسبب تجدد المواجهات، وقال: "كنا نأمل أن يستفيدوا من العفو العام لكن هناك بعض الخروقات التي يرتكبونها من منطلق اعتقادهم أن لجوءهم للسلاح مشروع".
إن هذا الاعتقاد "الخاطئ" حسب رأي الشامي يعقد الأمر أكثر. لقد استحدث الجيش مركزا تابعا له في جبل الصفراء المطل على وادي مذاب، فاعتبره أتباع الحوثي الموجودين في الوادي اعتداءا وبدءوا بمواجهته.
ويرى الشامي أن ما يقومون به "غير مشروع"، وقال: "المشروعية ليست في حمل السلاح، وإنما في عودتهم إلى منازلهم كمواطنين صالحين لهم ما لغيرهم من الحقوق وعليهم ما على غيرهم من الواجبات".
إلا أنه لم يبرئ أطراف أخرى من التورط في محاولة إثارة الحرب وإفشال تنفيذ العفو الرئاسي، وقال: "أشعر بأن صعده أصبحت مكان لتصفية حسابات إقليمية ومذهبية وحزبية وطائفية وهناك تدخلات من جهات عدة وكل يبتغي وصلا بليلى".
هذه التدخلات دفعت الشامي لتقديم استقالته يوم الأحد 28 يناير الفائت كما تردد في أوساط مطلعة في صعده، غير أن الشامي نفى أمر الاستقالة: "لم أقدم استقالتي لكني قدمت احتجاجا على ما يحدث".
ينفي الشامي أن يكون عدم تنفيذ السلطة لشرط العفو سبب بقاء الحوثي وأنصاره في الجبال وأعتبر الحديث عن عدم تنفيذ السلطة شروط العفو "كلاما غير دقيق"، فالتعويضات صرفت في مران وحيدان بشكل عام، و"بقي القسط الأخير المتعلق بالبناء سيصرف خلال فبراير".
كما تم إعادة من فصلوا من أعمالهم على خلفية الأحداث واستعاد كثيرين مستحقاتهم عن السنوات السيئة، وقال: "أما بالنسبة للآخرين فهناك أيضا تعويضات عن مساكنهم وأعمالهم، لكن هذا لن يتأتى إلا بعد عودتهم من المناطق التي يتواجدون فيها وتخليهم عن خيار السلاح".
ويبدو أن لأنصار الحوثي مطالب سياسية، يرفض الجانبين الإفصاح عنها، ووصفها الشامي بأنها "مضرة بالمصالح الوطنية العليا"، وقال: "لكن من حقهم تشكيل حزب سياسي لممارسة حقوقهم السياسية" مشيرا إلى إعلان الرئيس لذلك في خطاب تدشين حملته الانتخابية ألقاه في صعده مطلع سبتمبر الماضي.
وتتدنى فرص السلام من وجهة نظر المحافظ الشامي في حال استمرار اللجوء لخيار السلاح وبقاء الحوثي وأنصاره في الجبال، وقال: "ستكون الدولة مضطرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن والاستقرار وفرض سيطرتها وهيبتها على كل شبر في اليمن".
ولم يستبعد المحافظ الشامي وجود تدخلات أجنبية، مشيرا إلى زيارة يحيى بدر الدين الحوثي مؤخرا إلى ليبيا، وقال: "وهي دولة لها موقف من الجيران في السعودية.."
المشهد من الجبال
من الصعب تقبل فكرة أن استحداث دولة ما لمركز عسكري في أراضيها أمر مستفز لمواطنيها ويستدعي إعلان الحرب. غير أن المنظر من الجبل يبدو مختلفا. فاستحداث مركز تابع للجيش بالنسبة لأتباع الحوثي في مكان قريب منهم هو "تهديد" وخرق لـ"هدنة".
وينفي قائد جماعة الحوثي عبدالملك بدرالدين الحوثي أن يكونوا بدأوا هذه المرحلة من الحرب، وقال: "حاولنا عدم الاحتكاك بالحملات العسكرية الجديدة، وأبلغنا لجنة الوساطة وطالبنا برفع الحملات غير المبررة".
وأضاف: "لكن دون جدوى، وبدأت الحملات العسكرية ]يقصد المركز المستحدث للجيش في مذاب[ بإطلاق النار، ثم تلا ذلك ضرب في مناطق متعددة لتواجدنا ومازالت مستمرة".
ويتهم الحوثي "قيادات عسكرية" بالحرص على إثارة الحرب، وقال: "يسهل عليهم دائما اختلاق السبب حتى من مشكلة صغيرة".
ويربط بقاءهم في الجبال بعدم تنفيذ شروط إنهاء الأزمة، ورغم تسليمه بما تم انجازه إلا أنه وصفه بـ"المحدود"، كما نفى أن تكون لهم مطالب "غير مشروعة"، وقال: "مطلبنا الأساسي هي الحقوق المكفولة في الدستور، في مقدمتها حرية التعبير وحرية المعتقد".
مغادرة الجبال حسب الحوثي لن تتحقق قبل أن "تتوقف القيادات العسكرية عن مطاردتهم ومعاملتهم بشكل سيء"، وقال: "صرفت بعض التعويضات للبعض، وهي ليس ما يهمنا، لكن كيف يريدون لنا العودة مع استمرار الملاحقة والاعتقالات وإساءة المعاملة من قبل قادة الجيش والأمن".
ويرى الحوثي أن المشكلة ليست ان لديهم مشروع سياسي للوصول إلى السلطة ولا تشكيل حزب سياسي، وقال: "عندما تصبح حقوقنا مكفولة كمواطنين لن يكون كل هذا مشكلة، فالتحزب حق مكفول وهو في النهاية اختياري وليس أمرا مفروضا".
السبب الحقيقي خلف ما يدور في صعده من وجهة نظر عبدالملك الحوثي وجود جهود حثيثة لتحويل المحافظة إلى ميدان لتحقيق مكاسب دولية ومالية بالدرجة الأساسية قبل أن تكون مذهبية أو حزبية.
وقال: "السلطة تسعى لتحسين علاقاتها بالغرب وإن على حساب مواطنيها رغم أنها ليست مضطر لسفك الدماء لتحقيق نفس الهدف".
نافيا أن تكون لهم أي صلة بجهات خارجية، واصفا نشاطهم بأنه ينطلق من قناعات خاصة ودينية ضد أمريكا وإسرائيل بسبب ما ترتكبه ضد الدول الإسلامية، وقال: "مشكلتنا أننا لم نقبل العمل وفق رأي غيرنا".
ووصف زيارة شقيقه إلى ليبيا بانها ضمن جهود البحث عن وساطة كان يفترض أن تقوم بها الدول العربية بدلا "من التواطؤ والصمت" على حد تعبيره، وارجع سبب اختيار ليبيا إلى أنها الدولة الوحيدة "ربما أبدت تجاوبا مع أخي فيما يتعلق بالوساطة".
وقال: "ننصح الدول العربية خصوصا المجاورة ]السعودية[ بعدم تصديق ما تردده السلطة عن وجود توجه لدينا بالقضاء عليها، إن هذا محض افتراء".
المشهد عن بعدفي صنعاء يتجاهل السياسيين من خارج السلطة مبررات طرفي الأزمة، ويتوقفون عند حماقة أن يتطور أي خلاف داخلي إلى حرب، وأن تتورط السلطة في إشعال "فتنة مذهبية".
لكنه مع بدء المواجهة الرابعة يأخذ منحا آخر أكثر حدة وإن توقف الأمر عند أحاديث صحفية. ويبدو أن الغموض الذي يكتنف الأزمة يقف وراء كل هذا.
بالعودة إلى الخلف حين تأسست "جماعة الشباب المؤمن" في صعده منتصف التسعينيات كان الأمر لا يعدو مجرد نشاط فكري لمجموعة من المتشيعين النشطين وغير الراضين عن أداء (حزب الحق) الزيدي مقابل نشاط حزب الإصلاح الإسلامي السني في محافظة طالما كانت مغلقة على الزيدية.
وكانت قيادات الجماعة اليوم أبعد ما تكون عنها حين تأسست، وحسب عبدالملك الحوثي: "كانوا مجموعة من الشباب النشطين أسسوا الجماعة كنشاط لتنظيم برامج صيفية لا أكثر ولا أقل".
بدأ نشاط الجماعة يأخذ منحا سياسيا خصوصا بعد مغادرة حسين بدرالدين البرلمان نائبا عن الحزب الحاكم، وتزعمه للحركة وتبني شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" وتجنيد اتباعه لترديد الشعار عقب صلاة الجمعة في مساجد المحافظة ثم في الجامع الكبير في صنعاء.
كان الحديث في الرواق السياسي والحقوقي يبدي وبشكل محدود امتعاضه من عملية الاعتقالات التي تنفذها السلطة ضد من يرددون الشعار، غير أن أحدا لم ينتظر تفجر الموقف في صعده وتحويله إلى مواجهة دامية.
سياسيو الحزب الحاكم يتحدثون عن رفض حسين بدرالدين الحوثي كل دعوى الحوار التي وجهت له، وفشل والوساطة بينه وبين الرئيس مباشرة للالتقاء بالأخير في صنعاء، ويرى عبدالملك الحوثي أنه لم تكن هناك جدية للتحاور في ظل الحشد العسكري واستمرار الملاحقة الأمنية.
الوجاهات القبلية النافذة في المحافظة أعلنت أكثر من موقف يومها، كان أبرزها فشل محاولتها للتدخل سواء لدى السلطة أو لدى حسين الحوثي. وفي النهاية قبلت السلطة مقترح استخدام السلاح لفرض القانون.
وقال عبدالملك الحوثي: "وجدنا أنفسنا أمام خيارين، إما أن نموت دون الدفاع عن أنفسنا أو أن ندافع عن أنفسنا، واخترنا الدفاع عن النفس".
مخاوف من "نوايا"!
مسئول الدائرة الإعلامية في حزب المؤتمر الشعبي العام طارق الشامي تحدث عن "نوايا سيئة" تدفع أنصار الحوثي للبقاء في الجبال، وعن معلومات تتعلق بحصولهم على دعم من مؤسسات دينية في إيران والعراق، وجهات وشخصيات داخلية. وعن محاولة إساءة علاقات اليمن بالسعودية.
تجدد المواجهات "فاجأ الجميع" حسب طارق الشامي، وقال "مهاجمة موقع عسكري وقتل ستة وجرح عشرين آخرين من عناصر الجيش والأمن انتهاك للقانون والدستور وقرار العفو العام الصادر بحق أتباع الحوثي". وأضاف: "لا يوجد ما يبرر هذه الأعمال الإجرامية".
الشامي اعتبر ما حدث إساءة لفهم قرار العفو العام وإطلاق صراح المعتقلين من قبل أتباع الحوثي والتعامل معه على اعتباره "ضعف من الدولة". بدلا من الاستفادة من محاولة "دمجهم في المجتمع من جديد". على حد تعبيره.
ويرى أن بقاء أنصار الحوثي في الجبال رغم صدور قرار العفو دليل "يؤكد أن هناك أهداف خفية ونوايا غير مطمئنة"، وقال: "بدلا من الاستفادة من قرار العفو استمروا في عملية شراء للأسلحة الثقيلة وهذا يعزز القول بشأن نوايا سيئة من قبل تلك العناصر".
واتهم "شرذمة التمرد الحوثي" على حد تعبيره، بمحاولة "إقحام اليمن في الصراعات التي تعيشها المنطقة خصوصا في العراق الشقيق والتقسيم المفتعل بين المسلمين سنة وشيعة".
وقال: "هناك معلومات بشان حصولها على دعم خارجي من قبل بعض المؤسسات الدينية سواء في إيران أو العراق".
مشيرا أيضا إلى وجود معلومات بشأن مصادر تمويل داخلية من أطراف "مختلفة مع النظام في اليمن".
على حد قوله: "تسعى تلك العناصر مؤخرا إلى إساءة علاقة بلادنا بالأشقاء في المملكة العربية السعودية".
ولم ينفي الشامي أو يؤكد ما يتردد بشأن وجود أطراف تحاول إثارة هذه الحرب سواء داخل الجيش أو شخصيات قبلية وسياسية.اكتفى بالتعليق: "في كل الأحوال يفترض أن يلتزم الجميع بالقانون والدستور وعدم إثارة أي فتنة تحت أي غطاء مذهبي أو سياسي".
وأضاف: "على شرذمة التمرد الحوثي التزام القانون والدستور والتخلي عن خيار الحرب لتفويت الفرصة على أي طرف تدعيه أن ينجح في تحقيق أغراضه. إذا التزمت هي بالقانون والدستور. واستفادت من العفو العام".
ونفى أن تكون الحرب على أتباع الحوثي هي محاولة لقمع نشاط سياسي سلمي، موضحا أن أي نشاط سياسي يمارس خارج إطار القانون يحاسب عليه وفق القوانين النافذة وليس بالحرب.
وقال: "إذا كان المقصود هو ترديد الشعار، فأعتقد ان مثل هذا الترديد يأتي في إطار الشعار الذي كانت تردده إيران باعتبار أمريكا الشيطان الأكبر".
مضيفا: "من حق أتباع الحوثي إنشاء حزب سياسي يتبنى أفكارهم ويمارسون من خلاله نشاطهم السياسي شرط أن يكون في إطار القانون".
خصومة سياسية؟المعارضة لا ترى الحرب. ليس بإراداتها، من يرى هذه الحرب أصلا. فرغم مرور قرابة ثلاث سنوات إلا أن أزمة صعده ما زالت أكثر من مجرد غامضة.
حرب بلا قضية منذ اندلعت. كل ما يدور بشأنها مجرد تخمينات ومحاولة استقراء لا تدعمها معطيات سابقة وحقيقية، فتبقى مجرد "محاولة استقراء".
السلطة لم تقدم قرائن واضحة، والمعارضة آخر جهة قد تصدق السلطة حتى بقرائن. و(الحوثي) أكثر صمتا. لذا يبقى الأمر مجرد تهم تصرح أحيانا وتلمح أحيانا أخرى.
المعارضة تحمل السلطة مسئولية ما يجري في صعده، على اعتبار أنها تخفي الحقيقة. والسلطة تعتبر موقف المعارضة "كيد سياسي" واصطياد في ماء عكر.
على الأقل كلا الطرفين لا ينتظر من الحرب التوقف بناء على هذا.
رئيس الدائرة السياسية في حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان، وهو المتحدث باسم أحزاب "اللقاء المتشرك" ]تكتل أحزاب المعارضة[ قال بشكل مقتضب أن "عدم وجود قضاء مستقل يحول دون مطالبة أحزاب المعارضة بالتحقيق في الأحداث"، وأضاف: "وعملية المساءلة السياسية بصورة توضح الحقائق ليست متاحة أيضا".
ويرى أن القانون هو الغائب في هذه القضية، وقال: "نطالب السلطة التعاطي مع الموضوع بشفافية".
المشهد من زاوية أبعد
يرى الكاتب والمفكر السياسي عبدالباري طاهر أن تورط الدولة في المسائل الدينية والمذهبية يقف خلف الأزمة. وقال: "يفترض بالدولة اليمنية ألا تشتغل بالدين ولا مع الدين ولا على الدين، يجب أن تترك للناس حرية المعتقد".
واتهم السلطة بنشر المذهبية وتشجيع التعليم الطائفي. وقال: "نشرت الوهابية والاثنعشرية في صعده، نشرت النقيضين في بقعة واحدة وشديدة الحساسية في منطقة مغلقة على المذهب الزيدي". وأضاف: "من يزرع الشوق يحصد العاصفة".
وأزمة صعدة بالنسبة لطاهر مذهبية بالدرجة الأولى، ثم سياسية بالدرجة الثانية، وقال: "الدولة تعتقد أن الحل عسكري، لكنه في قضية من هذا النوع ليس عسكريا ولا أمنيا على الإطلاق".
وأرجع لجوء الدولة للحل العسكري إلى ما أسماه "عقيدة الدولة اليمنية بأن القوة هي الحل"، وأضاف: "لذا هي تلجأ إلى القوة دائما ولا تستخدم المنطق ولا العقل".
وتتحمل الدولة من وجهة نظر الاستاذ عبدالباري طاهر مسئولية ما يجري في صعدة بالدرجة الأساسية، وأضاف: "أيضا قد يكون استخدام السلاح والاحتكام له مدان ومرفوض سواء كان الحوثي أو غيره".
وأوقف عبدالباري طاهر نجاح قرار العفو بترافقه مع سلسلة إجراءات بينها إطلاق صراح المعتقلين، وتعمير ما دمر، والأهم من ذلك "ربط صعده باليمن".
وقال: "ما زالت صعده منطقة مكتظة بالمشاكل وبحاجة إلى الكثير من المعالجات المدنية".
والمعالجات بحاجة إلى مشاريع تنموية أكثر منها عسكرية. وقال: "صعده بحاجة إلى المدرسة والطريق، والماء والكهربا كما عملت مناطق الجوار لمعالجة أزماتها ومناطق الاحتقان فيها".
واستمرار الوضع في صعده من وجهة نظر طاهر سيعمل على نشر الفتنة في نطاق أوسع، ولم يستبعد وجود تدخلات خارجية، مؤكدا: "التدخلات الخارجية ستوجد ما دام لديك مشكلة سواء مذهبية أو عرقية أو سياسية خصوصا في منطقة حدودية فإن التدخل الخارجي سيوجد وبشكل مباشر".
ومن نقطة أخرى!وصف رئيس تحرير (الشورى نت) الكاتب والصحفي عبدالكريم الخيواني ما يجري في صعده بعملية "تصفية حسابات إقليمية ومذهبية وشخصية بالنسبة لبعض رجال السلطة الذين تعاملوا مع أزمة صعده كمقاولة إقليمية منذ وقت مبكر" على حد تعبيره.
ويركز الخيواني المقرب من قيادة حركة الحوثي، الصراع الإقليمي في مساعي سعودية "للتمدد ومواجهة المد الإيراني"، وقال: "كان هناك محاولات سعودية لشق طريق في جبل نقعه في صعده أيام العيد وبعد العيد. ولدى السعودية هواجس مذهبية وان اليمن كمنطقة قريبة منها امتداد للشيعة في المنطقة الشرقية، وتريد البدء بالخلاص من الشيعة في اليمن ضمن حملتها لمواجهة المد الإيراني".
وينفي الخيواني وجود علاقة بين الشيعة في اليمن وإيران، أو أي مكان آخر، وقال"الشيعة في اليمن لقمة سائغة لأنهم ليسوا جزء من الجسد الشيعي الموجود في إيران".
وأضاف: "في اليمن زيدية وليسوا شيعة، وليسوا تابعين لمرجعية خارجية ولا لديهم اتصالات بمنظومة المراجع الدينية".
وأضاف "لكن هاجس الحرب على إيران الذي تبرر به هذه الفتنة يجعل بعض الدول تقدم للقيام بدور فتوة السنة، رغم أنها ليست كذلك لا عقيدة ولا سياسة".
ويتهم الخيواني النظام السعودي بالوقوف خلف استمرار أزمة الحوثي في صعده وتمويل بقاءها طيلة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى وجود طرف رسمي في اليمن يريد توجيه رسالة إلى ليبيا التي استقبلت حسين الأحمر فترة الانتخابات. وقامت مؤخرا بمقترح للتوسط للإفراج عن أتباع الحوثي".
ويعتمد في هذا الاتهام على ما تنشره "صحف محسوبة على نافذين عسكريين في السلطة وتقول أن الحوثيين تابعين لليبيا" كما قال.
البعد الثالث لأزمة صعدة من وجهة نظر الخيواني يتعلق باعتياد النظام السياسي في اليمن الهروب من استحقاقات الإصلاح باتجاه افتعال أزمة.
وقال: "ما يحدث أن اليمن أصبحت في مواجهة استحقاقات الإصلاح، تعرف أن القضية ملزمة لها وبالتالي لا تستطيع الوفاء بتعهداتها للمانحين، والحرب هي الملاذ".
وأرجع بقاء أتباع الحوثي في الجبال حاملين أسلحتهم رغم صدور قارري عفو عام إلى وجود "مراكز قوى في السلطة ترى أن هذه القرارات تتعارض مع مصالحها"، وقال: "تقوم هذه المراكز دائما بإفشال العفو بالتربص بأي عائد من الجبال فتعتقله أو تقتله، والدليل أنها اليوم تقوم بالاعتقالات في غير مناطق المواجهات".
وأضاف الخيواني: "توجيهات الرئيس وتغيير المحافظ السابق أثمرت عن تحقيق انجازات كان أهمها وقف إطلاق النار والشروع لحلول حقيقية، لكن كان هناك جهة ثالثة تسعى لافتعال أسباب الأزمة وإفشال كل هذه الجهود".
نشر بتاريخ 9 فبراير 2007 في صحيفة "الخليج" الإماراتية
فبراير 2007
فشلت الوساطة القبلية في صعده، رغم أنها طالما كانت الخيار الوحيد والأمثل لحل أعقد النزاعات في واحدة من المناطق الخاضعة لسلطة القبيلة وغير المكترثة بسلطة القانون والخيارات المدنية.
في الأزمة العالقة منذ ثلاث سنوات بين من اصطلح على تسميتهم بالحوثيين من جهة، والقوات الحكومية من جهة بدا أن السلاح وبشكل متطرف هو الخيار الوحيد. على الأقل بالنسبة للدولة التي طالما جنحت للسلم حتى مع مجرمين.
في هذه المرة لم تفكر الحكومة بمبدأ "الحوار" الذي طالما استخدمته إلا بعد وقت متأخر من بدء الحرب، وكأن الاستفزاز الذي تعرضت له مع دخول العام 2004 كان أقوى وبشكل غامض من أن يسمح بتذكر لغة الحوار.
| البناء بالطين - صعدة - 2007 - تصوير محمد الظاهري |
ويقال أن مسئولين عسكريين، ومسئولين عسكريين في مناصب مدنية اقترحوا خيار السلاح بإلحاح وتمكنوا من دعم وجهة نظرهم بشأن وجود جهات خارجية، غير أن العملية التي كان من المقرر أن تنتهي خلال أسبوعين ستحتفل بعامها الرابع في يونيو المقبل.
عبدالملك الحوثي الذي يقود الحوثيين منذ مقتل أخيه نهاية المرحلة الأولى من الحرب في سبتمبر 2004 يرى أن "توجها عدائيا" ينموا لدى السلطة منذ مدة طويلة تجاه شريحة واسعة في اليمن، وهم طبقة (السادة) او الهاشميين المنتسبين إلى آل الرسول، وهي الطبقة الحاكمة في اليمن قبل قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962. والسلطة من جهتها لم تتورع عن اتهام الحوثيين بالتخطيط لقلب النظام وإعادة اليمن إلى ما قبل 1962.
غير أن الذريعتين استعصت على الهضم عند كثيرين، فلا أحد يريد تصديق أن مجموعة صغيرة تريد قلب النظام من صعده. وأصعب من ذلك تصديق وجود نوايا عدائية ضد طائفة أو مذهب، خصوصا أن الرئيس صالح طالما حسب على المذهب الزيدي أكثر من غيره.
وقد ألقى الرئيس صالح أكثر خطاباته حدة وانفعالا مطلع الأسبوع الثاني من الحرب في يونيو 2004، وبدا واضحا شعوره بالخيبة. كان الأمر مزدوجا، فالأعداء كانوا حلفاءه إلى وقت قريب وحصلوا على دعمه، وخيار الحرب الذي وافق عليه فشل. لأسباب جغرافية أكثر منها استراتيجية.
يوم الأحد 28 يناير الفائت بدأت رابع مرحلة من المواجهة الدامية بين الجانبين، ورغم بذل الكثير من الجهود للحيلولة دون تجاوز عمرها يوما واحدا إلا أن الأمر فشل.
ويبدو أن قائمة الضحايا ستضم عشرات الأسماء الجديدة في واحدة من أكثر الأزمات غموضا.
حتى يوم الأحد الفائتة سقط 52 قتيلا وأكثر من100 جريح معظمهم في صفوف القوات الحكومية، وبشكل رسمي أعلن أن نصيب الجيش 42 قتيلا و81 جريحا، وتشير بعض المصادر العسكرية والمحلية عن وجود حشد لحرب طويلة وقوية من قبل الطرفين.
الجديد هذه المرة أن كلا الطرفين ينفي تسببه في إشعال الحرب، واتهامات عن وجود طرف ثالث يسعى بإصرار لإشعالها، واستبدلت المبررات الواهية بحديث أكثر غموضا عن صراع لتصفية حسابات إقليمية ومذهبية وسياسية ميدانه محافظة صعده.
في صنعاء لا شيء سوى مزيد من التهم السياسية، أحزاب المعارضة تتهم السلطة بالتستر على الكثير من الحقائق لإخفاء جريمة في صعده، والسلطة تتهم المعارضة بمحاولة النيل منها ولو على حساب أمن اليمن ووحدته. لم يتعدى الأمر حتى الآن الأحاديث الصحفية.
صعده من الداخل
| مشهد من مدينة صعدة القديمة - 2007 - تصوير محمد الظاهري |
وبعد 15 عاما من الركود والعزلة والتجاهل جاءت أحداث (حرب الحوثي) لتقضي على البقية الباقية من محاولتها البقاء على قيد الحياة. بسبب الحرب تتنامى حالة من الرعب والكراهية، وأصبحت الحركة هناك شبه موات.
حظ صعده، المحافظة البعيدة في أقصى الشمال، دائما سيء بالنسبة لمسئوليها الحكوميين، فهم إما كسالى يمعنون في توسيع القطيعة بينها وبين حاجاتها لمزيد من التنمية، أو يتورطون في صراع على السلطة مع زعماء القبائل.
المحافظ الحالي يحيى الشامي خاض تجربة سابقة في المحافظة في الثمانينيات، ولم يكن أفضل حالا من غيره، فقد علق في صراع مع سلطة القبيلة التي كانت يومها في ذروتها. وخرج كالعادة غير مأسوف عليه. بعد قائمة من الشكاوى والدسائس.
تعيينه مجددا في صعده نهاية الحرب الثالثة بين الجيش وأتباع الحوثي كان محسوبا بدقة، فالرجل من جهة يحمل رتبة عسكرية رفيعة، ومن جهة أخرى ينتمي إلى فئة "الهاشميين" التي ينتمي إليها أيضا "الحوثيين".
أوجه الشبه أن تعيين الشامي في المرتين كان لنفس السبب، وهو خلق نوع من التوازن في محافظة صعده مطلقة الولاء للسادة وسلطة القبيلة، والمتهمة بالولاء لنظام الإمام قبل الثورة، حتى أنها آخر المحافظات الشمالية التي قبلت بالنظام الجمهوري، وإن لم يكن ذلك في حقيقة الأمر لأسباب سياسية بقدر ما كان تورطا خلف "تجار حروب".
هذه المرة يبلي الشامي بشكل جيد، فقد نجح في إخماد الحرب الثالثة وإعلان نهاية الأزمة، وتمكن من تسريع عملية صرف التعويضات للمتضررين، والإفراج عن المعتقلين على ذمة القضية وإعادة من فقدوا أعمالهم وصرف رواتبهم المتأخرة. وكلها قرارات تم إعاقة تنفيذها خلال عامين.
ويبدي الرجل جدية واضحة للنجاح في مهمته الأساسية في صعده، وهو إقفال ملف أزمة الحوثي، غير أن طريقه ليست معبدة رغم ضعف سلطة القبيلة التي أعاقته في المرة السابقة، فقد قدم الرجل استقالته مرتين منذ تعيينه منتصف العام الفائت، كلها احتجاجا على محاولات مسئولين نافذين وعسكريين وأمنيين لإعاقة مساعيه إنهاء الفتنة، كما يتردد.
وقد تحدث مؤخرا إلى "الخليج" بشأن عودة المواجهات العسكرية، وبوضوح عن تناقص الخيارات أمامه مع استمرار ارتكاب الخروقات وإعاقة تنفيذ العفو الرئاسي، واحتمالات التدخلات الخارجية وتحول محافظته إلى ميدان لتصفية الحسابات.
يشعر المحافظ الشامي بخيبة أمل بسبب تجدد المواجهات، وقال: "كنا نأمل أن يستفيدوا من العفو العام لكن هناك بعض الخروقات التي يرتكبونها من منطلق اعتقادهم أن لجوءهم للسلاح مشروع".
إن هذا الاعتقاد "الخاطئ" حسب رأي الشامي يعقد الأمر أكثر. لقد استحدث الجيش مركزا تابعا له في جبل الصفراء المطل على وادي مذاب، فاعتبره أتباع الحوثي الموجودين في الوادي اعتداءا وبدءوا بمواجهته.
ويرى الشامي أن ما يقومون به "غير مشروع"، وقال: "المشروعية ليست في حمل السلاح، وإنما في عودتهم إلى منازلهم كمواطنين صالحين لهم ما لغيرهم من الحقوق وعليهم ما على غيرهم من الواجبات".
إلا أنه لم يبرئ أطراف أخرى من التورط في محاولة إثارة الحرب وإفشال تنفيذ العفو الرئاسي، وقال: "أشعر بأن صعده أصبحت مكان لتصفية حسابات إقليمية ومذهبية وحزبية وطائفية وهناك تدخلات من جهات عدة وكل يبتغي وصلا بليلى".
هذه التدخلات دفعت الشامي لتقديم استقالته يوم الأحد 28 يناير الفائت كما تردد في أوساط مطلعة في صعده، غير أن الشامي نفى أمر الاستقالة: "لم أقدم استقالتي لكني قدمت احتجاجا على ما يحدث".
ينفي الشامي أن يكون عدم تنفيذ السلطة لشرط العفو سبب بقاء الحوثي وأنصاره في الجبال وأعتبر الحديث عن عدم تنفيذ السلطة شروط العفو "كلاما غير دقيق"، فالتعويضات صرفت في مران وحيدان بشكل عام، و"بقي القسط الأخير المتعلق بالبناء سيصرف خلال فبراير".
كما تم إعادة من فصلوا من أعمالهم على خلفية الأحداث واستعاد كثيرين مستحقاتهم عن السنوات السيئة، وقال: "أما بالنسبة للآخرين فهناك أيضا تعويضات عن مساكنهم وأعمالهم، لكن هذا لن يتأتى إلا بعد عودتهم من المناطق التي يتواجدون فيها وتخليهم عن خيار السلاح".
ويبدو أن لأنصار الحوثي مطالب سياسية، يرفض الجانبين الإفصاح عنها، ووصفها الشامي بأنها "مضرة بالمصالح الوطنية العليا"، وقال: "لكن من حقهم تشكيل حزب سياسي لممارسة حقوقهم السياسية" مشيرا إلى إعلان الرئيس لذلك في خطاب تدشين حملته الانتخابية ألقاه في صعده مطلع سبتمبر الماضي.
وتتدنى فرص السلام من وجهة نظر المحافظ الشامي في حال استمرار اللجوء لخيار السلاح وبقاء الحوثي وأنصاره في الجبال، وقال: "ستكون الدولة مضطرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن والاستقرار وفرض سيطرتها وهيبتها على كل شبر في اليمن".
ولم يستبعد المحافظ الشامي وجود تدخلات أجنبية، مشيرا إلى زيارة يحيى بدر الدين الحوثي مؤخرا إلى ليبيا، وقال: "وهي دولة لها موقف من الجيران في السعودية.."
المشهد من الجبال
| جنود في صعدة |
وينفي قائد جماعة الحوثي عبدالملك بدرالدين الحوثي أن يكونوا بدأوا هذه المرحلة من الحرب، وقال: "حاولنا عدم الاحتكاك بالحملات العسكرية الجديدة، وأبلغنا لجنة الوساطة وطالبنا برفع الحملات غير المبررة".
وأضاف: "لكن دون جدوى، وبدأت الحملات العسكرية ]يقصد المركز المستحدث للجيش في مذاب[ بإطلاق النار، ثم تلا ذلك ضرب في مناطق متعددة لتواجدنا ومازالت مستمرة".
ويتهم الحوثي "قيادات عسكرية" بالحرص على إثارة الحرب، وقال: "يسهل عليهم دائما اختلاق السبب حتى من مشكلة صغيرة".
ويربط بقاءهم في الجبال بعدم تنفيذ شروط إنهاء الأزمة، ورغم تسليمه بما تم انجازه إلا أنه وصفه بـ"المحدود"، كما نفى أن تكون لهم مطالب "غير مشروعة"، وقال: "مطلبنا الأساسي هي الحقوق المكفولة في الدستور، في مقدمتها حرية التعبير وحرية المعتقد".
مغادرة الجبال حسب الحوثي لن تتحقق قبل أن "تتوقف القيادات العسكرية عن مطاردتهم ومعاملتهم بشكل سيء"، وقال: "صرفت بعض التعويضات للبعض، وهي ليس ما يهمنا، لكن كيف يريدون لنا العودة مع استمرار الملاحقة والاعتقالات وإساءة المعاملة من قبل قادة الجيش والأمن".
ويرى الحوثي أن المشكلة ليست ان لديهم مشروع سياسي للوصول إلى السلطة ولا تشكيل حزب سياسي، وقال: "عندما تصبح حقوقنا مكفولة كمواطنين لن يكون كل هذا مشكلة، فالتحزب حق مكفول وهو في النهاية اختياري وليس أمرا مفروضا".
السبب الحقيقي خلف ما يدور في صعده من وجهة نظر عبدالملك الحوثي وجود جهود حثيثة لتحويل المحافظة إلى ميدان لتحقيق مكاسب دولية ومالية بالدرجة الأساسية قبل أن تكون مذهبية أو حزبية.
وقال: "السلطة تسعى لتحسين علاقاتها بالغرب وإن على حساب مواطنيها رغم أنها ليست مضطر لسفك الدماء لتحقيق نفس الهدف".
نافيا أن تكون لهم أي صلة بجهات خارجية، واصفا نشاطهم بأنه ينطلق من قناعات خاصة ودينية ضد أمريكا وإسرائيل بسبب ما ترتكبه ضد الدول الإسلامية، وقال: "مشكلتنا أننا لم نقبل العمل وفق رأي غيرنا".
ووصف زيارة شقيقه إلى ليبيا بانها ضمن جهود البحث عن وساطة كان يفترض أن تقوم بها الدول العربية بدلا "من التواطؤ والصمت" على حد تعبيره، وارجع سبب اختيار ليبيا إلى أنها الدولة الوحيدة "ربما أبدت تجاوبا مع أخي فيما يتعلق بالوساطة".
وقال: "ننصح الدول العربية خصوصا المجاورة ]السعودية[ بعدم تصديق ما تردده السلطة عن وجود توجه لدينا بالقضاء عليها، إن هذا محض افتراء".
المشهد عن بعدفي صنعاء يتجاهل السياسيين من خارج السلطة مبررات طرفي الأزمة، ويتوقفون عند حماقة أن يتطور أي خلاف داخلي إلى حرب، وأن تتورط السلطة في إشعال "فتنة مذهبية".
لكنه مع بدء المواجهة الرابعة يأخذ منحا آخر أكثر حدة وإن توقف الأمر عند أحاديث صحفية. ويبدو أن الغموض الذي يكتنف الأزمة يقف وراء كل هذا.
بالعودة إلى الخلف حين تأسست "جماعة الشباب المؤمن" في صعده منتصف التسعينيات كان الأمر لا يعدو مجرد نشاط فكري لمجموعة من المتشيعين النشطين وغير الراضين عن أداء (حزب الحق) الزيدي مقابل نشاط حزب الإصلاح الإسلامي السني في محافظة طالما كانت مغلقة على الزيدية.
وكانت قيادات الجماعة اليوم أبعد ما تكون عنها حين تأسست، وحسب عبدالملك الحوثي: "كانوا مجموعة من الشباب النشطين أسسوا الجماعة كنشاط لتنظيم برامج صيفية لا أكثر ولا أقل".
بدأ نشاط الجماعة يأخذ منحا سياسيا خصوصا بعد مغادرة حسين بدرالدين البرلمان نائبا عن الحزب الحاكم، وتزعمه للحركة وتبني شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" وتجنيد اتباعه لترديد الشعار عقب صلاة الجمعة في مساجد المحافظة ثم في الجامع الكبير في صنعاء.
كان الحديث في الرواق السياسي والحقوقي يبدي وبشكل محدود امتعاضه من عملية الاعتقالات التي تنفذها السلطة ضد من يرددون الشعار، غير أن أحدا لم ينتظر تفجر الموقف في صعده وتحويله إلى مواجهة دامية.
سياسيو الحزب الحاكم يتحدثون عن رفض حسين بدرالدين الحوثي كل دعوى الحوار التي وجهت له، وفشل والوساطة بينه وبين الرئيس مباشرة للالتقاء بالأخير في صنعاء، ويرى عبدالملك الحوثي أنه لم تكن هناك جدية للتحاور في ظل الحشد العسكري واستمرار الملاحقة الأمنية.
الوجاهات القبلية النافذة في المحافظة أعلنت أكثر من موقف يومها، كان أبرزها فشل محاولتها للتدخل سواء لدى السلطة أو لدى حسين الحوثي. وفي النهاية قبلت السلطة مقترح استخدام السلاح لفرض القانون.
وقال عبدالملك الحوثي: "وجدنا أنفسنا أمام خيارين، إما أن نموت دون الدفاع عن أنفسنا أو أن ندافع عن أنفسنا، واخترنا الدفاع عن النفس".
مخاوف من "نوايا"!
| برج مراقبة في "القشلة" (قلعة حكومية قديمة) - مدينة صعدة - يناير 2007 - تصوير محمد الظاهري |
تجدد المواجهات "فاجأ الجميع" حسب طارق الشامي، وقال "مهاجمة موقع عسكري وقتل ستة وجرح عشرين آخرين من عناصر الجيش والأمن انتهاك للقانون والدستور وقرار العفو العام الصادر بحق أتباع الحوثي". وأضاف: "لا يوجد ما يبرر هذه الأعمال الإجرامية".
الشامي اعتبر ما حدث إساءة لفهم قرار العفو العام وإطلاق صراح المعتقلين من قبل أتباع الحوثي والتعامل معه على اعتباره "ضعف من الدولة". بدلا من الاستفادة من محاولة "دمجهم في المجتمع من جديد". على حد تعبيره.
ويرى أن بقاء أنصار الحوثي في الجبال رغم صدور قرار العفو دليل "يؤكد أن هناك أهداف خفية ونوايا غير مطمئنة"، وقال: "بدلا من الاستفادة من قرار العفو استمروا في عملية شراء للأسلحة الثقيلة وهذا يعزز القول بشأن نوايا سيئة من قبل تلك العناصر".
واتهم "شرذمة التمرد الحوثي" على حد تعبيره، بمحاولة "إقحام اليمن في الصراعات التي تعيشها المنطقة خصوصا في العراق الشقيق والتقسيم المفتعل بين المسلمين سنة وشيعة".
وقال: "هناك معلومات بشان حصولها على دعم خارجي من قبل بعض المؤسسات الدينية سواء في إيران أو العراق".
مشيرا أيضا إلى وجود معلومات بشأن مصادر تمويل داخلية من أطراف "مختلفة مع النظام في اليمن".
على حد قوله: "تسعى تلك العناصر مؤخرا إلى إساءة علاقة بلادنا بالأشقاء في المملكة العربية السعودية".
ولم ينفي الشامي أو يؤكد ما يتردد بشأن وجود أطراف تحاول إثارة هذه الحرب سواء داخل الجيش أو شخصيات قبلية وسياسية.اكتفى بالتعليق: "في كل الأحوال يفترض أن يلتزم الجميع بالقانون والدستور وعدم إثارة أي فتنة تحت أي غطاء مذهبي أو سياسي".
وأضاف: "على شرذمة التمرد الحوثي التزام القانون والدستور والتخلي عن خيار الحرب لتفويت الفرصة على أي طرف تدعيه أن ينجح في تحقيق أغراضه. إذا التزمت هي بالقانون والدستور. واستفادت من العفو العام".
ونفى أن تكون الحرب على أتباع الحوثي هي محاولة لقمع نشاط سياسي سلمي، موضحا أن أي نشاط سياسي يمارس خارج إطار القانون يحاسب عليه وفق القوانين النافذة وليس بالحرب.
وقال: "إذا كان المقصود هو ترديد الشعار، فأعتقد ان مثل هذا الترديد يأتي في إطار الشعار الذي كانت تردده إيران باعتبار أمريكا الشيطان الأكبر".
مضيفا: "من حق أتباع الحوثي إنشاء حزب سياسي يتبنى أفكارهم ويمارسون من خلاله نشاطهم السياسي شرط أن يكون في إطار القانون".
خصومة سياسية؟المعارضة لا ترى الحرب. ليس بإراداتها، من يرى هذه الحرب أصلا. فرغم مرور قرابة ثلاث سنوات إلا أن أزمة صعده ما زالت أكثر من مجرد غامضة.
حرب بلا قضية منذ اندلعت. كل ما يدور بشأنها مجرد تخمينات ومحاولة استقراء لا تدعمها معطيات سابقة وحقيقية، فتبقى مجرد "محاولة استقراء".
السلطة لم تقدم قرائن واضحة، والمعارضة آخر جهة قد تصدق السلطة حتى بقرائن. و(الحوثي) أكثر صمتا. لذا يبقى الأمر مجرد تهم تصرح أحيانا وتلمح أحيانا أخرى.
المعارضة تحمل السلطة مسئولية ما يجري في صعده، على اعتبار أنها تخفي الحقيقة. والسلطة تعتبر موقف المعارضة "كيد سياسي" واصطياد في ماء عكر.
على الأقل كلا الطرفين لا ينتظر من الحرب التوقف بناء على هذا.
رئيس الدائرة السياسية في حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان، وهو المتحدث باسم أحزاب "اللقاء المتشرك" ]تكتل أحزاب المعارضة[ قال بشكل مقتضب أن "عدم وجود قضاء مستقل يحول دون مطالبة أحزاب المعارضة بالتحقيق في الأحداث"، وأضاف: "وعملية المساءلة السياسية بصورة توضح الحقائق ليست متاحة أيضا".
ويرى أن القانون هو الغائب في هذه القضية، وقال: "نطالب السلطة التعاطي مع الموضوع بشفافية".
المشهد من زاوية أبعد
| جانب من مدينة صعدة القديمة - يناير 2007 - تصوير محمد الظاهري. |
واتهم السلطة بنشر المذهبية وتشجيع التعليم الطائفي. وقال: "نشرت الوهابية والاثنعشرية في صعده، نشرت النقيضين في بقعة واحدة وشديدة الحساسية في منطقة مغلقة على المذهب الزيدي". وأضاف: "من يزرع الشوق يحصد العاصفة".
وأزمة صعدة بالنسبة لطاهر مذهبية بالدرجة الأولى، ثم سياسية بالدرجة الثانية، وقال: "الدولة تعتقد أن الحل عسكري، لكنه في قضية من هذا النوع ليس عسكريا ولا أمنيا على الإطلاق".
وأرجع لجوء الدولة للحل العسكري إلى ما أسماه "عقيدة الدولة اليمنية بأن القوة هي الحل"، وأضاف: "لذا هي تلجأ إلى القوة دائما ولا تستخدم المنطق ولا العقل".
وتتحمل الدولة من وجهة نظر الاستاذ عبدالباري طاهر مسئولية ما يجري في صعدة بالدرجة الأساسية، وأضاف: "أيضا قد يكون استخدام السلاح والاحتكام له مدان ومرفوض سواء كان الحوثي أو غيره".
وأوقف عبدالباري طاهر نجاح قرار العفو بترافقه مع سلسلة إجراءات بينها إطلاق صراح المعتقلين، وتعمير ما دمر، والأهم من ذلك "ربط صعده باليمن".
وقال: "ما زالت صعده منطقة مكتظة بالمشاكل وبحاجة إلى الكثير من المعالجات المدنية".
والمعالجات بحاجة إلى مشاريع تنموية أكثر منها عسكرية. وقال: "صعده بحاجة إلى المدرسة والطريق، والماء والكهربا كما عملت مناطق الجوار لمعالجة أزماتها ومناطق الاحتقان فيها".
واستمرار الوضع في صعده من وجهة نظر طاهر سيعمل على نشر الفتنة في نطاق أوسع، ولم يستبعد وجود تدخلات خارجية، مؤكدا: "التدخلات الخارجية ستوجد ما دام لديك مشكلة سواء مذهبية أو عرقية أو سياسية خصوصا في منطقة حدودية فإن التدخل الخارجي سيوجد وبشكل مباشر".
ومن نقطة أخرى!وصف رئيس تحرير (الشورى نت) الكاتب والصحفي عبدالكريم الخيواني ما يجري في صعده بعملية "تصفية حسابات إقليمية ومذهبية وشخصية بالنسبة لبعض رجال السلطة الذين تعاملوا مع أزمة صعده كمقاولة إقليمية منذ وقت مبكر" على حد تعبيره.
ويركز الخيواني المقرب من قيادة حركة الحوثي، الصراع الإقليمي في مساعي سعودية "للتمدد ومواجهة المد الإيراني"، وقال: "كان هناك محاولات سعودية لشق طريق في جبل نقعه في صعده أيام العيد وبعد العيد. ولدى السعودية هواجس مذهبية وان اليمن كمنطقة قريبة منها امتداد للشيعة في المنطقة الشرقية، وتريد البدء بالخلاص من الشيعة في اليمن ضمن حملتها لمواجهة المد الإيراني".
وينفي الخيواني وجود علاقة بين الشيعة في اليمن وإيران، أو أي مكان آخر، وقال"الشيعة في اليمن لقمة سائغة لأنهم ليسوا جزء من الجسد الشيعي الموجود في إيران".
وأضاف: "في اليمن زيدية وليسوا شيعة، وليسوا تابعين لمرجعية خارجية ولا لديهم اتصالات بمنظومة المراجع الدينية".
وأضاف "لكن هاجس الحرب على إيران الذي تبرر به هذه الفتنة يجعل بعض الدول تقدم للقيام بدور فتوة السنة، رغم أنها ليست كذلك لا عقيدة ولا سياسة".
ويتهم الخيواني النظام السعودي بالوقوف خلف استمرار أزمة الحوثي في صعده وتمويل بقاءها طيلة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى وجود طرف رسمي في اليمن يريد توجيه رسالة إلى ليبيا التي استقبلت حسين الأحمر فترة الانتخابات. وقامت مؤخرا بمقترح للتوسط للإفراج عن أتباع الحوثي".
ويعتمد في هذا الاتهام على ما تنشره "صحف محسوبة على نافذين عسكريين في السلطة وتقول أن الحوثيين تابعين لليبيا" كما قال.
البعد الثالث لأزمة صعدة من وجهة نظر الخيواني يتعلق باعتياد النظام السياسي في اليمن الهروب من استحقاقات الإصلاح باتجاه افتعال أزمة.
وقال: "ما يحدث أن اليمن أصبحت في مواجهة استحقاقات الإصلاح، تعرف أن القضية ملزمة لها وبالتالي لا تستطيع الوفاء بتعهداتها للمانحين، والحرب هي الملاذ".
وأرجع بقاء أتباع الحوثي في الجبال حاملين أسلحتهم رغم صدور قارري عفو عام إلى وجود "مراكز قوى في السلطة ترى أن هذه القرارات تتعارض مع مصالحها"، وقال: "تقوم هذه المراكز دائما بإفشال العفو بالتربص بأي عائد من الجبال فتعتقله أو تقتله، والدليل أنها اليوم تقوم بالاعتقالات في غير مناطق المواجهات".
وأضاف الخيواني: "توجيهات الرئيس وتغيير المحافظ السابق أثمرت عن تحقيق انجازات كان أهمها وقف إطلاق النار والشروع لحلول حقيقية، لكن كان هناك جهة ثالثة تسعى لافتعال أسباب الأزمة وإفشال كل هذه الجهود".
نشر بتاريخ 9 فبراير 2007 في صحيفة "الخليج" الإماراتية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دون تعليقك