الاثنين، سبتمبر 25، 2006

زارعوا المآتم يهددون صعدة بأزمة جديدة

هذه بداية مأساة جديدة تنتظر محافظة صعده، إذا لم توقف الآن قد تكون العواقب أكبر من وخيمة. إن واحدة من أكبر القبائل وأشرسها هناك غاضبة اليوم، فقد قتل اثنين من أبنائها ذنبهم الوحيد أنهم أبرياء

د. احمد صلاح الأعجم مع اثنين من ابنائه الأربعة

مئات الرجال الغاضبين ومئات بنادق "الكلاشنكوف" المذخرة بالرغبة في الانتقام تجمعوا من كل أنحاء قبيلة "جماعة" خلال الأسابيع الفائتة بعد تلقي طبيبين من أبنائها لتسعين طلقة غادرة.

قبل إجراء الانتخابات الرئاسية بيومين فقط تحولت مدينة ضحيان في محافظة صعدة (240 كم شمال صنعاء) إلى تجمع هائل للرعب لا ينوي تقديم واجب العزاء فقط. وبدأ الناس يهمسون بقلق، فالأمر يتعلق بقبيلة "جماعة" وبقايا فتنة.
منذ زمن لم تتحرك قبيلة "جماعة" على هذا النحو، ربما لأن حجمها يحول دون أمكانية استفزازها، فهي أكبر قبائل محافظة صعده، حتى أن داعيها يتجاوز الحدود وتهب لتلبيته مناطق داخل الأراضي السعودية.

مصدر القلق الذي سيطر على همس الناس في محافظة صعده ذاكرتهم، فهم يعرفون أن هذه القبيلة حين تخرج من سكونها تصبح مثل مارد غاضب لا يفكر بالنتائج وشعاره المفضل: "من حسب الدية، ما قتل".
وحسب رجل في الستينيات يدعى مصلح علي كان قريبا من الحشد الغاضب الذي شهدته مدينة ضحيان قبل يومين من الانتخابات، فإن "جماعة" لم ترجع من أي خصوماتها إلا بما تريد "غوا وإلا مصيب" على حد تعبيره.
إن ضخامة القبيلة التي تعيق حركتها تصبح عامل دعم في خصوماتها، حيث يسهل تدبر التكاليف، سواء المال أو الرجال، فالأعراف القبلية تفرض مشاركة كل فرد في القبيلة، وحسب ما يردده الناس هناك فإن "جماعة" ما تزال الأكثر التزاما بهذا العرف.
حين يتحدث مصلح وغيره في صعده عن "جِمَاعة" يداهم ذاكرتك بيت الشعر: "بيض صنائعنا سود وقائعنا، خضر مرابعنا حمر مواضينا". غير أن سببا أكثر خطورة يعزز مخاوفهم يتعلق بأزمة الحوثي.
فحتى الآن ما يزال أتباع الحوثي يتحصنون في الجبال مع نسائهم وعائلاتهم هذه المرة، ويرفضون التخلي عن سلاحهم مشككين في كل قرارات العفو وفرص العودة إلى حياتهم الطبيعية.
ويقود هؤلاء عبدالملك الحوثي خلفا لشقيقه حسين الحوثي وعضو البرلمان الذي قاد تمردا مسلحا من جبال مران وقتل في سبتمبر 2004 لتنتهي الجولة الأولى مما أطلق عليه "حرب الحوثي"، في صعدة التي لم تنتهي إلا في فبراير الفائت.
بقاء هؤلاء في الجبال، وتورطهم في مواجهات مع رجال قبائل خصوصا في الجولة الثالثة من الحرب، حولهم إلى "متهمين متوفرين" لعدد من عمليات قتل واعتداء مجهولة نفذت  في الفترة الماضية بأساليب مشابهة لأساليبهم. بعضها سبقتها تهديدات من أشخاص ينسبون أنفسهم إلى أتباع الحوثي.
ورغم أنه لا أحد ينفي أو يؤكد تورط أتباع الحوثي في هذه الحوادث إلا أن سقوط أبرياء على أيدي مجهولين وبأساليب بشعة، يدفع الناس للبحث عن سبب يعزز فكرة تورط أتباع الحوثي. خصوصا إذا لم يكن للضحية خلافات حادة أو متورط في قضايا ثأر.
من وجهة نظر البعض يكفي أن يكون الضحية تواجد ذات يوم ولو بالصدفة في مكان يساند موقف الحكومة باستخدام الجيش ضد أتباع الحوثي، أو أن يكون مسئولا حكوميا أو قريبا من مسئول حكومي أيا كان موقعه أو اختصاصه.
ويذكرك هؤلاء دائما بأن أعداد من الشباب انظموا إلى أتباع الحوثي لتصفية حساباتهم، وبأن أتباع الحوثي تورطوا أثناء الجولة الأخيرة من الحرب في حوادث قتل واعتداء ضد شخصيات قبلية أو سياسية تساند الحكومة ولو من باب رفض فكرة التمرد المسلح.
وجهة النظر الأخرى تتحدث عن وجود من يسعى لإثارة فتنة جديدة في صعده، ويقف خلف زراعي المآتم المجهولين.
غير أن ثمة إجماعا بين الناس على أنه سواء كانت أزمت الحوثي تستغل لزراعة المآتم، أو كان هناك من يزرع المآتم لإثارة الأزمة من جديد، فإن صعده تحت طائلة العنف في أية لحظة.
المأتم الأخير الذي زرع في منزل عضو مجلس الشورى وأحد أبرز شخصيات قبيلة جماعة ومحافظة صعده القاضي صلاح الأعجم، شكل ذروة فوضى الدماء، فقد اختار القتلة ضحاياهم بعناية بحيث تمكنوا من استفزاز قبيلة "جماعة" والمحافظة بأسرها.
في السابع عشر من سبتمبر الماضي أطلق مجهولين تسعين رصاصة على سيارة كانت تقل الدكتور أحمد الأعجم وصهريه ويقودها ابن عمه بعد وصولها باب منزل الأول عائدة من (قطابر) عاصمة قبيلة جماعة، وقتل في العملية الدكتور أحمد وصهره محمد حسين البرقي، وجرح ابن عمه حسين محمد الأعجم.
وقال مقربين أن الدكتور أحمد تلقى تهديدات من قبل مجهولين بالقتل تكتم عليها مخافة إزعاج والده، خصوصا أن التهديدات جاءت بعد خلاف نشب بين تابعين للحوثي وقاسم القطابري أحد أقارب الأعجم وشيخ (قطابر) في يونيو الفائت حين طالبهم بعدم ترديد شعارهم في مسجد المدينة.
وعلمت "الخليج" بأن أتباع الحوثي ردوا على طلب القطابري بمحاولة قتله وإطلاق الرصاص على منزله، ورغم تدخل شخصيات قبلية في إيقاف الأزمة التي جاءت بعد انتهاء "حرب الحوثي" رسميا بثلاثة أشهر إلا أن أتباع الحوثي تحصنوا في أماكن عده وهددوا الأعجم بالقتل.
وقالت المصادر أن حملة عسكرية مكونة من عشرة أطقم يصحبها بعض أعضاء من لجنة الوساطة التي شكلت أثناء العمليات العسكرية توجهت صباح اليوم التالي إلى قطابر للحيلولة دون تفاقم الموقف، غير أنها تعرضت لنيران تابعين للحوثي كمنوا لها في الطريق.
وأسفرت المواجهات إلى مقتل أربعة بينهم ضابط في الجيش وجندي وأحد أعضاء لجنة الوساطة، بالإضافة إلى أحد رجال القبائل، وجرح سبعة جنود آخرين.
التهديدات التي تلقها أحمد الأعجم كانت حسب مصادر مقربة تتهم والده المقيم في صنعاء بالوقوف خلف الحملة العسكرية، رغم أن مصادر قبلية أكدوا بأن الأعجم كان مثل كثير من وجاهات صعدة وشخصياتها القبلية ترفض تدخل القبائل في الأزمة بأي شكل من الأشكال..
مصادر أخرى قالت أن التهديدات اتهمت صلاح الأعجم بالضلوع في قرار إيقاف رواتب الموظفين الذي انضموا إلى الحوثي في جبهات القتال، وهو ما نفته مصادر رسمية في صعدة، مؤكدة أن الأعجم بين من دعموا قرار إطلاق الرواتب كواحدة من وسائل إقناع أتباع الحوثي بقرارات العفو التي أصدرها الرئيس صالح لصالحهم.
ويحظى صلاح الأعجم وأبناءه بسمعة طيبة في صعدة، وهو ما جعل استهدافه مصدر استفزاز واضح، سواء في قبيلة جماعة التي ينتمي إليها أو في القبائل الأخرى، خصوصا أنه لم يكن للضحايا أي خلافات مع أطراف أخرى.
بعد الحادث كاد الأمر يتفجر دفعة واحدة، فقد احتشد المئات من قبيلة جماعة الذين استعادوا بنادقهم المعلقة على جدران غرفهم منذ زمن وزودوها بخزائن إضافية تلصق بطريقة تقليدية على البنادق، وهي إحدى علامة حالات الاستعداد لخوض حرب.
غير أن القاضي الأعجم حال دون ذلك، مطالبا الجميع بالتريث وانتظار ما ستسفر عنه جهود الأجهزة الرسمية، وأكد أن وزير الداخلية يشرف على عملية تحقيق في الحادث ما زالت مستمرة حتى الآن. خصوصا أن تكتم نجله على التهديدات التي تلقاها يحول دون تحديد هوية الجناة بشكل واضح.
أصابع الاتهام التي اتجهت أول الأمر إلى أتباع الحوثي دفعت قائدهم عبدالملك الحوثي للحضور إلى منزل الأعجم لتقديم واجب العزاء، وإعلان براءته وأتباعه من الحادث، وعلمت "الخليج" أن الحوثي قال للأعجم أنه يسلم نفسه للقصاص إذا كان هناك شك في تورطه.
الحشود التي تشهدها مدينة ضحيان التي يقع فيها منزل صلاح الأعجم لم تقتصر على قبيلة جماعة، فما زالت مستمرة إلى اليوم ومن مختلف القبائل.
ويتخوف كثيرين في حال فشلت التحقيقات الرسمية في كشف الجناه، أو تأخرها أن تدخل محافظة صعدة في طور جديد من الأزمة أكثر خطورة، فتدخل القبائل قد يحول الأمر أزمة مفتوحة على مصراعيها.

د. أحمد صلاح الأعجم
أحمد الأعجم
-           تخرج من كلية الطب في جامعة صنعاء نهاية الثمانينيات
-           متزوج وأب لثلاثة أبناء وينتظر مولوده الرابع، أكبر أبناءه خالد (12 عاما) وخلود (9 سنوات) ورنيم (5 سنوات).
-           عمل طبيبا في مستشفى الثورة العام في صنعاء، ثم في المستشفى الجمهوري في صعدة
-           انتقل إلى القاهرة وشغل منصب الملحق الطبي في سفارة صنعاء هناك حتى 2004.
-           انتخب مطلع العام الحالي رئيسا لفرع حزب المؤتمر الشعبي (الحاكم) في قطابر.
-           والده القاضي صلاح الأعجم، شغل عددا من المناصب الحكومية بينها محافظ محافظة لحج بعد الوحدة، وأول من فتح ملف إعادة الأملاك المؤممة في جنوب اليمن، وحاليا عضو في مجلس الشورى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دون تعليقك