تجاوزنا تقاطع كنتاكي بقليل في رحلتنا عبر شارع الزبيري الذي اعتبر وبشكل سطحي منطقة الحدود بين الثورة وأنصار صالح. ربما هذا من وجهة نظر العسكر نسبة إلى مناطق تواجدهم...
أما الثورة فقد سكنت قلوب كثيرين دون علاقة للجغرافيا بذلك.. ثوار ومناصرين كثر، وكثر جدا، يقعون جنوب الزبيري وفي كل مكان في صنعاء...
ناهيك عن أن صالح ونجله، وبعض من يطيعونهم في الجيش اجبروا بصواريخهم وقذائفهم كثيرين مغادرة شمال الزبيري وترك منازلهم هناك للبحث عن ملاذ جنوب الزبيري، بالتأكيد نقلوا معهم دليلا حقيقا آخر على حتمية الثورة، وكذب التلفزيون الوطني...
خلف مبنى مركز السعيد وبنك اليمن الدولي بعدة شوارع صغيرة يوجد حي الجامعة القديمة أو حي الكهرباء وبداية حي القاع..
هناك سفح دم أجمل شباب اليمن، في ثاني أكبر مجزرة تشهدها صنعاء منذ اندلاع الثورة في فبراير 2011، قتلوا بأبشع طريقة ممكنة..
هناك شهد اليمن واليمنيون للمرة أولى ما الذي تخلفه قذائف RPG عندما تستهدف أناسا عاديين، لقد رسمت القذائف التي صنعت لمواجهة الدبابات على أجساد شباب اليمن صورة النظام القذرة..
الجميع تحدثوا عمن سقطوا هناك دون احترام. في التلفزيون الوطني كانوا مجرد وهم غير حقيقي، أو مجرد جثث قدمت من أرحب مع أول "تاكسي"، وكأن قتل أهالي ارحب أمر جائز..
اجتهدوا قليلا، وعلى لسان أسواء بوق يمكن أن تصادفه في حياتك يدافع عمن يقوم بكل هذا، وصف القتلى بـ"المغرر بهم"، وبأنهم "يأسف من أجلهم".
إذا سلمنا بأنهم مغرر بهم فماذا تكونون أنتم؟، إذا كان أكثر شباب اليمن نضجا وشجاعة مغرر بهم كما تدعون، فلماذا قمتم بقتلهم. كان بمقدوركم عدم فعل ذلك ولا أحد ينتظر أن تأسفوا...
سهيل القناة اكتظت بتلك الدماء لأيام، ودون احترام أيضا، فحتى المادة الإعلامية لم تكن واضح ولا مكتملة، كانت هذه الدماء بالنسبة لها وللسياسيين المتبنين للثورة مجرد وسيلة جديدة للضغط على خصمهم...
دموع النساء خلف شاشات التلفزيون وأهاتهن فقط كانت تحترم تلك الدماء، غضب رفاقهم من الشباب ودموعهم وحرقتهم كانت تحترم هذه الدماء.
ليس أن البكاء يعني الاحترام، فحتى من بكوا وتألموا دون أن يتوقفوا عن محاولة إيحاد تفسير لما حدث، أو مبرر أو سبب يخفف عنهم أو طرف يلقون عليه باللائمة لم يكونوا يحترمون تلك الدماء...
وحدهم من نظروا إلى ما حدث كما حدث دون تأويل أو تفسير، فلا مبرر لقتل الناس أيا كانوا ومهما فعلوا بهذه الطريقة أو بغيرها، لا عذر، ولا معنى يقبل بكل هذا الموت.
عندما حدثت أول مجزرة ضد شباب الثورة في 18 مارس (جمعة الكرامة)، جاء صباح اليوم التالي حزينا.. مشى الناس في الطرقات مطأطيئ الرؤوس.. العيون شاردة..
الجميع كانوا غير مصدقين، حتى الجنود ومن كانوا مناصرين لصالح، الجميع كان يشعر بالخزي والقهر..
لكن هذه المرة، بعد مجزرة 19 سبتمبر كان هناك من يتباهى بما حدث، أو يقلل من أهميته، كان هناك من يقول دعابات على ما جرى.. وكأن القتل يصبح شيئا فشيئا جزءا من وجبة الإفطار...
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دون تعليقك