الأربعاء، نوفمبر 23، 2011

على ضفتي الزبيري (1)..

تنحدر من عصر ميمما وجهك نقم، حاملا معك شيئا من اللايقين و الخوف معا. خوف تعانده منذ مده ليس لتبدوا شجاعا، أو غير مبال، بل لأن ثمة وطن يسكنك ولا تريد إخافته، أو لا تريده أن يشعر بخوفك فيهوي..
هذا ما يجعلك مختلفا عن متبطل أحمق يحمل سلاحا ويجوب حيه وكأنه يجوب ساحة الوغى، كل هذا ليعالج شعورا بالفشل والخوف والضعف رافقه طوال حياته التي لم ينجز فيها شيئا، وربما لم يكلف نفسه شرف المحاولة..
الصورة لموقع يمن برس
نفس الشيء الذي يسكنك ويدفعك لتجاهل خوفك فيما تعبر نقاط التفتيش، وتمرق بمصفحات قديمه، وجنود مهترئون، يشبهونك في كل شيء، هو ما يجعلك تتجاهل أن معالم شارعك تغيرت، وأصبح عنوانك بعد المصفحة أو قبل المترس، ومقابل الموت مباشرة..
يجعلك أيضا تتجاهل أن راتبك لم يعد يكفي شيئا، وكأنه كان كيفي أصلا، أو لم يعد لديك راتب، ولا كهرباء، ولا ماء، ولا حقوق.. تريد احتمال كل شيء خوفا من أن تصحوا بلا وطن. وكأن لديك واحد أصلا..
قبل أن تصل تقاطع "كنتاكي" ستكون تجاوزت فناء على يسارك في بداية شارع "هائل" لمجموعة من الفاشلين المسلحين ينتظرون إما وجبة غداء أو ينتهون من تقاسم ملصقات. هؤلاء مهمتهم أن يقتلوا دون حتى أن يعرفوا السبب..
بالنظر إلى مهنتهم الأخيرة، يقول البعض بأنهم لا يستحقون أن يكونوا يمنيين، أو مسلمين. بالنظر إلى مهنتهم الأخيرة، تتساءل إذا كان صاحبها إنسانا أصلا.
بالجوار من هذا الفناء معسكر تابع للحرس الجمهوري، عليك ألا تصدق نصف ما سيقال لك عنه في المناطق على ضفة الزبيري اليسرى، وثلاثة أرباع ما يقال لك عنه في الضفة المقابلة.
ما زلت تحاول احتمال وطنك، دون أن تسأل نفسك ما إذا كان لديك وطن؟، وما إذا كان الوطن بدون حياتك وكرامتك وحقوقك وأمنك يبقى وطنا؟..
على يسارك ستبدأ ملامح تواجد عسكري مختلف الزي قليلا، بالوضوح أكثر، خصوصا خلف أكوام ترابية عملاقة، هؤلاء جنود وطنك نفسهم لكن قائدهم قال بأنه يريد حماية الثورة، هكذا قال، وعليك في حال قررت الانحراف يسارا عدم مناقشة ذلك، وأيضا إن قررت الانحراف يمينا..
خلف هؤلاء الجنود تمتد ساحة التغيير التي احتضنت حلم اليمنيين قبل أن تتحول إلى مخيم محاصر بالموت من كل اتجاه وبكل لون.. كان يوما مسكونا بالحياة، والحرية..
اليوم لا يدري بما هو مسكون، أو بالأحرى لا أحد يريد أن يعرف ذلك، لا يريد أن يعرف بأن القوى المعارضة مثلا خافت منه أكثر فوادوا حلمه سريعا ليقدموا حلمهم التافه والمتواضع..
لا أحد يريد أن يعرف بأن هناك من فرط في دماء الشهداء وتنازل عن أحلامهم وباعها في سوق الفساد نفسه الذي استشهدت لتقتلعه..
لا أحد يريد أن يعرف بأن هناك من أدخل إليه الخوف بدلا من الثورة، كي يقبل من تبقى انتظار السياسة، وكأنها لم تفسد حياتنا وأحلامنا بما يكفي...
من تبقى من أيام الحلم الجميل، والشجعان الذين صمدوا ضد قمع الخصوم والشركاء معا، يبقيهم بأن الحلم كان يسكنهم أكثر من غيرهم، ولأنهم رأوه بوضوح أكثر من غيرهم...
هناك أيضا من بقوا كما يبقون دائما في مهرجانات أحزابهم، وكما اعتادوا عندما يطلب منهم ذلك فقهاء يمتهنون السياسة، أو سياسيون يرتدون عمامة الفقيه..
سيرا على الأقدام يمكنك عبور تقاطع كنتاكي دون الحاجة لاستخدام الجسر العلوي، لكن كل من سيقابلك هناك، سواء كان يرتدي زيا زيتيا أو رماديا، سيخبرك بأن حياتك في خطر، من غيره طبعا!!.
معظم المحال مغلقة على الضفتين، مركز السعيد التجاري شبه ميت، يليه مبنى بنك اليمن الدولي الذي هاجمه المتظاهرون في 2005 معتقدين أنه البنك الدولي الذي يتسبب في فرض رفع الدعم عن المشتقات النفطية وبالتالي عن كل شيء.
إنه نفس الوعي الذي جعل الثوار يصدقون بأنهم بحاجة إلى من يحميهم. وبأن أشخاص في أرحب ونهم كانوا يمنعون ألوية عسكرية من دخول صنعاء..
وهو نفس الوعي الذي يحمل صور الرئيس حتى وإن لم يكن هناك كهرباء ولا ماء ولا طريق ولا حتى هواء، نفس الوعي الذي جعلنا ممتنين لجلادينا، نفس الوعي الذي جعلنا وحيدين في وطننا، نصفق لمن يتحكم به وبنا..
نفس الوعي الذي جعلك تعبر شارعا في مدينتك وأنت خائف دون أن تصرخ، بأن تجد من يسرقونك كل يوم ويهملون حقوقك، وينهبون ثروتك، أناس طيبون ومسالمون لمجرد أنه سلم عليك أثناء مروره ردا على حملقتك حافيا إلى سيارته الفارهة.
في نفس مبنى بنك اليمن الدولي يوجد المقر الرئيسي لشركة اتصالات عالمية تسجل كل مكالمات زبائنها وتسلمها لمن يطلبها بأمر عسكري، أيا كان، مثل كل شركات الاتصالات التي صادفتها أو ستصادفها هنا...
وهي أيضا مثل كل الشركات في اليمن تقدم أقدم أنماط الخدمة، تتعذر بعقودها مع الحكومة، والحكومة تتعذر بنا.. أتذكر بأن الدنيا قامت ولم تقعد بسبب خدمة الاتصال المرئي، وكأن وجودها سيكشف الستر..
وكالعادة صدرت فتاوى من نفس الفقهاء الذين ينظرون إلى ما يريده سيدهم، أو لنقل ينظرون إلى الأمر من ثقبهم الضيق، ووفق مصالح محددة، ولا ينسون في النهاية جعل ذلك وكأنه للمصلحة العامة..
يتبع....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دون تعليقك