![]() |
| صالح الحميدي |
فوجئت بصالح صباح السبت عندي. كنت في نافذة الفندق انظر إلى سائقي سيارات التاكسي ينظفون سياراتهم وينفثون دخان سجائرهم ويرتشفون الشاي تماما كما في الأفلام. وقد كان ان تذوقت الفول المصري يومها وندمت. لكن كان لدى صالح خطة بديلة او إفطار بديل. انتهى يوم السبت مثل سابقه، وودعت صالح مساء وانا متأكد بأني لن أحظى برفقته في اليوم التالي الذي سيكون أول أيام البرنامج التدريبي، لكن ربما سوف اتصل به حين انتهي في الرابعة مساء.
صباح اليوم التالي ونحن في قاعة التدريب المجهزة بأجهزة كمبيوتر بعد الانتهاء من جلسة تعارف، دلف صالح. كم كنت سعيدا برؤيته، لكنه لم يتوقف عند الباب، ألقى تحية ضاحكة كعادتة وكأنه يعرف الجميع وهو يتجه نحوي. دلف خلفه منسق النشاط من اتحاد الصحفيين العرب يخبرنا بأن صالح سينظم إلى البرنامج.
كنت تحدثت إلى منسق البرنامج عن إمكانية انضمام شخص اخر للبرنامج من اليمن طمعا في الحصول على صالح، وقد جعل ممثل الاتحاد الأمر يبدو مستحيلا. حتى أنى اخبرته بأن ذلك لا يضيف أي تكاليف ولا بدلات. لكن صالح أكثر اقناعا وعلاقاته أفضل بكثير..
في الاستراحة الأولى أصبح صالح صديق كل المشاركين. ما زالت دارين من فلسطين تذكرة إلى اليوم، كانت تسميه المعلق الرياضي، وقالت لي مؤخرا: "كان له حضور لا ينسى".
أصبح الجميع يرغب في ان يكون صالح شريكة في المشروع الذي يجب أن نعمل عليه كمجموعات لتعلم تقنيات برنامج الفلاشFlash، يا إلهي، كان هذا البرنامج يومها قفزة في مجال بناء الصور المتحركة التي يمكن ارسالها عبر الهاتف! لا اعتقد أن أحدا ما زال يستخدمه. كان المشاركون من دول مختلفة وكان لدى صالح الكثير عن كل دولة وكتابتها وصحافييها، ومؤسساتها الإعلامية.
لم يشارك صالح في البرنامج التدريبي فقط، لقد غيره أيضا. لا اتحدث عن كيف جعل فريق العمل أقرب إلى بعضهم ويتشاركون أوقاتهم بعد انتهاء التدريب ويخرجون معا ويقصدون أماكن مختلفة معا. بل تمكن من اقناع المنظمين على إضافة زيارات سياحية إضافية فترة بعد الظهر كتعويض عن رداءة الفندق الذي لم نجرؤ على ذكرها إلا إلى صالح فجعلها قضية تستدعي مناقشتها مع الاتحاد. لقد زرنا الاهرامات ومدينة الإنتاج الإعلامي وقضينا أمسية جميلة على إحدى عوامات النيل، لقد نفذ وعده بأن أزور كل ما اردت زيارته رغم البرنامج التدريبي.
في تلك الرحلة أيضا جعلني صالح برشلونيا. حضرت معه نهائي دوري أبطال أوروبا بين برشلونة وأرسنال في مقها قريب من المركز الإعلامي التابع لسفارتنا في القاهرة. انتهت المباراة بفوز برشلونا، لكني كنت أكثر اهتماما بحماسة المصريين وكيف يجعلون مشاهدة مباراة كرة قدم امرا مختلفا. ضحك مني صالح يومها وسألني ساخرا ونحن نغادر: "انت عارف بكم انتهت نتيجة المباراة؟"
أما الوجبات المصرية فتركني صالح لعنادي حين رفضت تصديقه. لقد كان درسا قاسيا، في اليوم الأول صدمني الكشري، وفي اليوم الثاني بقيت دون أكل حتى المساء بسبب الفطير المشلتت. حتى الحمام المحشي في أحد مطاعم وسط البلد كان كارثيا. كان يخبرني صالح بأن الوجبات المصرية "مش أي حد يعملها". ناهيك عن أن المطبخ المصري عموما ليس مغريا كثيرا كما يبدو في مخيلتي وليس قريبا حتى من مطبخنا.
في أحد أيام البرنامج، ورغم ظروف صالح المالية، قرر انقاذ الفريق المتململ من وجبة الغداء المنتظرة في الفندق مثل كل يوم، ودعانا على حسابه إلى وجبة مندي في مطعم حضرموت حيث كنت افر معه بعد ان تعبت من الوجبات المصرية. حاولت يومها مشاركته الكلفة لكنه رفض. في اليوم التالي حين حل وقت الغداء نهاية اليوم التدريبي نظر بعض أعضاء الفريق إلى صالح مازحين، وتسأل على من البحرين: "كيف الوضع بخصوص الغداء اليوم يا صالح؟" فضحكنا معا وقررنا ان يتشارك من يرغبون في الذهاب إلى مطعم حضرموت الكلفة.
خلال إحدى الأمسيات التي جمعت معظم المشاركين في قهوة الفيشاوي، تحلقنا حول طاولتين. وعلى طاولة مجاور جلس علي مع صديقين له، علي شاب مصري لا احد منا كان يعرفه حتى ذاك. كان صالح أقرب الجالسين إليه، وقد لاحظ اهتمام علي بأحاديثنا وفضوله ليعرف من نكون، فالتفت إليه يسأله ضاحكا: "انت مين؟ ما تجي عندنا وتسيب صحابك دول..". سأل علي: "انتوا من فين؟" فرد صالح ضاحكا: "من كل حته". تعرفا على بعضهما من مقعديهما المتعاكسين وتبادلا بعض الحديث دون ان نلاحظ معظمه، والحديث مع صالح لن يخلوا من طرفه، كل حدث او مكان او اسم، كل شيء يذكره بموقف طريف. أخبر على نكتة يمنية لها علاقة باسم علي، فضحك الأخير.
علي أصبح بعد ذلك اللقاء صديق كثير من الصحفيين اليمنيين عبر صالح، ونقطة الوصل بينهم وبين القاهرة. من يريد ان يسافر سيتصل بعلي ليحجز شقة او فندق او حجز طبي.. أي شيء. على شاب مصري جدع ومثابر، وأصبح صديق صالح وتعلم منه. سرعان ما ترك عمله وتفرغ لنشاطه الجديد. واليوم أصبح علي صاحب شركة خدمات إعلامية بدأت بتقديم خدماتها لقنوات التلفزيون اليمنية في مصر ومنها القناة التي أسسها وأدارها صالح لاحقا.
ذكرني صالح بتلك النكتة حين زرته في منزله في مايو الفائت خلال إجازة عيد الفطر، رغم هذا لا شيء تبقى منها، ولم تضحكنا حتى. كان صوته هذه المرة وهو يقولها مهدودا وتعبا. كان صالح مكسور الخاطر وهو يشعر بالوحدة وبغياب اصدقاءه الكُثر وعدم سؤالهم عنه. حتى انه اغلق هاتفه المحمول واعتزل الجميع. اتصلت بعدد من الزملاء في القاهرة أخبرهم والوم، واتصلوا هم أيضا بآخرين، وبادر عدد منهم بالمواظبة على زيارة صالح في مستشفى القوات الجوية في التجمع الخامس الذي عاد إليه. بينهم الزملاء الرائعين بليغ المخلافي ونائف حسان وعيبان ياسين وآخرين واتصل من لم يكن قادرا على الوصول. لكن حالة صالح الصحية كانت في أسوأ حالاتها. تكالبت عليه أخطاء الأطباء والظروف وسوء الحكومة التي يعمل فيها، وتقصير الأصدقاء وقلة حيلة معظمهم. رغم كل هذا لم يتنازل صالح عن ضحكته في وجه كل من يزوره وعن سخريته، ولم ينس السؤال عن أحوال كل من يتذكرهم او يتصلون به. وشيء اخر، بدأ صالح يتقبل فكرة الموت التي طالما قابلها بسخريته المعتادة.
الذي اعادني وصالح إلى تلك النكتة، هو حديث ذكريات عن تلك الرحلة التي جمعتنا في القاهرة في ٢٠٠٦، التي بدأت منها معاناة صالح مع المرض، فهو كان في القاهرة أصلا بغرض العلاج. بعد مغادرتي القاهرة بيومين خضع صالح لعملية جراحية لم يكن من المفترض أن تجرى. لم يخبرني صالح بأمر تلك العملية إلا لحظة سفري. كل ما كان يقوله لي بأنه أجرى عدد من الفحوصات وان لديه موعد مع طبيبه خلال أيام. طبيب أحمق قرر اجراء عملية جراحية فيما كل الفحوصات تؤكد أن جزء كبيرا من كبد صالح متليف. لم يقرأ الفحوصات، وتحجج لاحقا بأن أحدا لم يخبره بأمر التليف من الأطباء والمساعدين الذين أجروا الفحوصات وجهزوا صالح للعملية!
أثناء الجراحة تفاقم الوضع سريعا ونزف صالح، واضطر الطبيب لإقفال الجرح على عجل ونقله إلى العناية المركزة وبدء إجراءات انقاذ حياة صالح. بقي صالح ليومين في العناية المركزة فاقدا للوعي. حاولت الاتصال مرارا دون تلقي رد، حتى رد عليٌ أخيرا ليخبرني بما حدث. بعد يومين حين تمكن صالح من الرد على هاتفه، استجمع كل ما تبقى من قواه ليضحك كما يفعل صالح دائما ويقدم الحب في مطلع حديثه كما هو ابدا: "حبيب قلبي.. لا تقلق، انا بخير وب أكون بخير دائما"
تنازل المستشفى عن تكاليف الجراحة والعلاج وأجرى بعض المعالجات الوقتية، لكنها لم تمنع بأن ما حدث تسبب في معاناة صالح الطويلة لسنوات، مرة يحاول اصلاح أثار ذلك الخطأ، ومرة يحاول معالجة مرضه الذي انتهى به إلى اجراء زراعة للكبد بعد سلسلة من الجراحات العلاجية الاخرى. لدرجة انا اعتدنا ان يسقط صالح بين يدي الموت مرارا قبل ان يعود إلينا ضاحكا. قال لي مرة بسخريته المعتادة: "ما تخفش يا صاحبي، انا اخر مرة كنت في المستشفى وماشي لغرفة العمليات، الموت دق على كتفي من ورى، التفت له وقلت له ها ها ها، مش الان، لسه في حاجات كثير عاوز اعملها".
كان لدى صالح مشاريعه واحلامه الكثيرة، وأكثر من كتاب يعمل عليه، بينها كتاب سياسي يوثق جانب من مرحلة سياسية يمنية عبر سيرة عدد من السياسيين اليمنيين. في لقاء جمعني به في القاهرة في يناير ٢٠٢٢، وقد اخذ منه المرض مبلغا سيئا وغير حتى شكله، أخبرني بأن كتابه في مراحله الأخيرة، قال: "انا مستعجل أخلصه في اقرب وقت قبل ما اموت". لكنا لم نكن نصدق ان صالح سيموت سريعا، وكنا نعتقد بأنه سيعود إلينا دائما اقوى.
بعد رحلته العلاجية الأولى عاد صالح إلى اليمن مفعم بالأمل والاحلام، يبث السعادة فيمن حوله دوما، ضحوك دائما وكأن لا شيء يكدره. وقد جمعتني به رحلة أخرى من صنعاء إلى عدن ربما في ٢٠٠٧، كانت هي أيضا أولى زياراتي إلى عدن، كنت معه برفقة الجميل فكري قاسم، ربما اكتب عنها يوما ما. كانت من أجمل الرحلات، وقد تعلق قلبي بعدن منذ ذاك. لا أدرى هل الأماكن التي جمعتي بصالح جميلة كما بدت لي أم هي كذلك لأن صالح كان حاضرا. لكني متأكد تماما بأن الأماكن بالرفقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
دون تعليقك